تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس عشر 16 · صفحة 187 من 610
صفحة
[صفحة 1] الآتية و قيل فَإِذا فَرَغْتَ من الغزو فَانْصَبْ في العبادة أو فَإِذا فَرَغْتَ من الصلاة فَانْصَبْ في الدعاء وَ إِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ بالسؤال و لا تسأل غيره فإنه القادر وحده على إسعافه. (1)
أقول اعلم أن شق بطنه(ص)في صغره في روايات العامة كثيرة مستفيضة كما عرفت و أما رواياتنا و إن لم يرد فيها بأسانيد معتبرة لم يرد نفيها أيضا و لا يأبى عنه العقل أيضا فنحن في نفيه و إثباته من المتوقفين كما أعرض عنه أكثر علمائنا
____________
(1) قال الشريف الرضى (قدّس الله روحه الشريفة) في تلخيص البيان: 279: و هذا القول مجاز و استعارة، لان النبيّ (صلى الله عليه و آله) لا يجوز أن ينتهى عظم ذنبه إلى حال انقاض الظهر و هو صوت تقعقع العظام من ثقل الحمل، لان هذا القول لا يكون الا كناية عن الذنوب العظيمة و الافعال القبيحة، و ذلك غير جائز على الأنبياء (عليهم السلام)، في قول من لا يجيز عليهم الصغائر و الكبائر، و في قول من يجيز عليهم الصغائر دون الكبائر، لان اللّه تعالى قد نزههم عن موبقات الآثام و مستحقات «مستقبحات ظ» الافعال، اذ كانوا امناء وحيه، و ألسنة أمره و نهيه، و سفرائه إلى خلقه، و قد استقصينا الكلام في باب مفرد من كتابنا الكبير، فنقول: إن المراد هاهنا بوضع الوزر ليس على ما يظنه المخالفون، من كونه كناية عن الذنب، و إنّما المراد به ما كان يعانيه النبيّ (صلى الله عليه و آله) من الأمور المستصعبة و المواقف الخطرة في أداء الرسالة، و تبليغ النذارة، و ما كان يلاقيه (صلى الله عليه و آله) من مضار قومه، و يتلقاه من مرامى أيدي معشره، و كل ذلك حرج في صدره، و ثقل على ظهره، فقرره اللّه تعالى بأنّه أزال عنه تلك المخاوف كلها، و حط عن ظهره تلك الاعباء بأسرها، و أداله من أعدائه، و فضله على أكفائه، و قدم ذكره على كل ذكر، و رفع قدره على كل قدر، حتى أمن بعد الخيفة، و اطمأن بعد القلقة، و خرج من حقائق الضغطة إلى مفاسح الغبطة، و من عقال الانقباض إلى محال الانبساط، فلذلك قال سبحانه: «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ* وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» و هذه الأمور التي امتن اللّه تعالى عليه بأنّه فعلها به متشابهة في المعنى، لان شرح الصدر و وضع الوزر إذا كان بمعنى إزالة الثقل من الهم، و رفع الذكر أحوال يشبه بعضها البعض، فلا معنى لتاول الوزر هنا على أنّه الذنب و المعصية، و لا دليل في الآية على ذلك، مع ما في القول به من الغمز في مزايا الأنبياء الذين قد رفع اللّه سبحانه أقدارهم، و أعلى منارهم، و ألزمنا اتباع مناهجهم و ثقيل طرائقهم و تقبل أوامرهم. فان قال قائل: إن هذه السورة مكية و كان نزولها و هو (عليه السلام) بعد في حال الخوف و المراقبة و ضعف اليد عن المغالبة، قيل له: لا يمتنع أن يكون اللّه تعالى بشره بما تؤول إليه عواقب أمره من انجلاء الكربة، و انحسار اللزبة، و قوة السلطان، و انتشار الاعلام، فقام المتوقع من ذلك عنده مقام الواقع لتصديقه و سكونه إلى صحته، فزال ما كان يعانيه من أثقال الهموم، و يقاسيه من خناق الكروب، و هذا جواب مقنع بتوفيق اللّه و عونه.