تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثامن 8 · صفحة 353 من 518
صفحة
[صفحة 254]
فنسب الإنساء إلى عباده المؤمنين و إن لم يفعلوا لما كانوا السبب في ذلك وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على أذاكم و سخريتكم أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ أي الظافرون بما أرادوا و الناجون في الآخرة قالَ أي قال الله تعالى للكفار يوم البعث و هو سؤال توبيخ و تبكيت لمنكري البعث كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي في القبور عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأنهم لم يشعروا بطول لبثهم و مكثهم لكونهم أمواتا و قيل إنه سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا فقالوا لبثنا يوما أو بعض يوم استقلوا حياتهم في الدنيا لطول لبثهم و مكثهم في النار عن الحسن قال و لم يكن ذلك كذبا منهم لأنهم أخبروا بما عندهم و قيل إن المراد به يوما أو بعض يوم من أيام الآخرة و قال ابن عباس أنساهم الله قدر لبثهم فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم بصدده من العذاب فَسْئَلِ الْعادِّينَ يعني الملائكة لأنهم يحصون أعمال العباد و قيل يعني الحساب لأنهم يعدون الشهور و السنين قالَ الله تعالى إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لأن مكثكم في الدنيا أو في القبور و إن طال فإن منتهاه قليل بالإضافة إلى طول مكثكم في عذاب جهنم لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صحة ما أخبرناكم به و قيل معناه لو كنتم تعلمون قصر أعماركم في الدنيا و طول مكثكم في الآخرة في العذاب لما اشتغلتم بالكفر و المعاصي.
و في قوله سبحانه وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً أي نارا تتلظى ثم وصف ذلك السعير فقال إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي من مسيرة مائة عام عن السدي و الكلبي
و نسب الرؤية إلى النار و إنما يرونها هم لأن ذلك أبلغ كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا و ذلك قوله سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً و تغيظها تقطعها عند شدة اضطرابها و زفيرها صوتها عند شدة التهابها كالتهاب الرجل المغتاظ و التغيظ لا يسمع و إنما يعلم بدلالة الحال عليه و قيل معناه سمعوا لها صوت تغيظ و غليان قال عبيد بن عمير إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي و لا ملك إلا خر لوجهه و قيل التغيظ للنار و الزفير لأهلها كأنه يقول رأوا للنار تغيظا و سمعوا لأهلها زفيرا وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً