و أمّا الإشارة الثانية من العباس الى عليّ (عليه السلام) و تفقده الامر له و سعيه وراء هذه البغية، انه لما قبض رسول اللّه قال العباس لعلى بن أبي طالب و هما في الدار: امدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول اللّه بايع ابن عم رسول اللّه و يبايعك أهل بيتك فلا يختلف عليك اثنان فان هذا الامر إذا كان، لم يقل، فقال له عليّ (عليه السلام): و من يطلب هذا الامر غيرى؟ أو يطمع فيها طامع غيرى؟ قال العباس: ستعلم (شرح النهج الحديدى 1/ 53، الإمامة و السياسة 1/ 12) و أمّا لفظ الطبقات ج 2 ق 2/ 39 بالاسناد عن فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت:
لما توفى رسول اللّه(ص)قال العباس يا على قم حتّى أبايعك و من حضر، فان هذا الامر إذا كان لم يرد مثله، و الامر في ايدينا، فقال على و أحد- يعنى يطمع فيه- غيرنا؟ فقال العباس: أظن و اللّه سيكون، فلما بويع لابى بكر و رجعوا الى المسجد سمع على التكبير فقال:
ما هذا؟ فقال العباس: هذا ما دعوتك إليه فأبيت على، فقال على أ يكون هذا؟ فقال العباس:
مارد مثل هذا قط، فقال عمر: قد خرج أبو بكر من عند النبيّ(ص)حين توفى و تخلف عنده على و عبّاس و الزبير، فذلك حين قال عبّاس هذه المقالة.
و روى البلاذري في الأنساب 1/ 583 بإسناده عن جابر بن عبد اللّه قال: «قال العباس لعلى: ما قدمتك الى شيء الا تأخرت عنه، و كان قال له: لما قبض رسول اللّه اخرج حتّى ابايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان، فأبى و قال: أو منهم من ينكر حقنا و يستبد علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون، فلما بويع أبو بكر، قال له العباس، أ لم أقل لك يا على؟
فنرى العباس يزاول الامر بعين الظاهر، كأصحاب السقيفة، و عليّ (عليه السلام) يأبى عليه الا مزاولة الباطن بعين الحقيقة و تنزيلهم منزلة الفتنة و هو على سكينة من اللّه عزّ و جلّ و علم من لدنه لا يشوبه شك و ريب.
و هذه الإشارة هي الثانية.
و أمّا الإشارة الثالثة، فقد أشار إليه بعد عمر أن لا يدخل معهم في الشورى المسدسة و ينزه نفسه عن المقارنة معهم، و كان رأيه ذلك نصحا له من حيث الظاهر لكنه(ص)أبى عليه الا المضى على إرادة اللّه عزّ و جلّ من سلامة دينه و امضاء الفتنة و اتمام الحجة عليهم و ردا على تأول أصحاب النبيّ لقوله «انا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، و ان اهل بيتى سيلقون بعدى بلاء و تشريدا و تطريدا (ابن ماجة كتاب الفتن الباب 43) و لقوله(ص)«انكم ستبتلون في أهل بيتى من بعدى» (مجمع الزوائد 9/ 194) بأن رسول اللّه قال «ان اللّه أبى أن يجمع لنا أهل البيت النبوّة و الخلافة أبدا».
فلو كان العباس يعلم عند ذاك- على ما نعرف اليوم نحن من اخبارهم- أن عليا لا يصدر الا عن عهد عهده إليه رسول اللّه لما عاتبه بقوله: «لم أدفعك في شيء الا رجعت الى متأخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول اللّه في هذا الامر فأبيت، و أشرت عليك بعد وفاة رسول اللّه أن تعاجل الامر فأبيت، و أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عنى واحدة: كلما عرض عليك القوم فأمسك الى أن يولوك، و احذر هذا الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتّى يقوم لنافيه غيرنا» (العقد الفريد:
2/ 257، أنساب الأشراف 5/ 23) و الكلام طويل الذيل، و سيجيء في محاله إنشاء اللّه تعالى.