تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والعشرون 29 · صفحة 32 من 703
صفحة
[صفحة 37]
الإماميّة كما هو معلوم من مذهبهم ضرورة، و صرّح بنقله المحقّق الطوسيّ (رحمه الله) عنهم فيما تقدّم، و لا ريب أنّ الشيء يعدم بعدم أصله الذي هو جزؤه كما نحن فيه، فيلزم الحكم بكفر من لم يتحقّق له التصديق المذكور و إن أقرّ بالشهادتين، و أنّه مناف أيضا للحكم بإسلام من لم يصدّق بإمامة الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) و هذا الأخير لا خصوصيّة لوروده على القول بعموم الإسلام، بل هو وارد على القائلين بإسلام من لم يتحقّق له التصديق المذكور مع قطع النظر عن كونهم قائلين بعموم الإسلام أو مساواته للإيمان.
و أمّا الجواب؛ فبالمنع من المنافاة بين الحكمين، و ذلك لأنّا نحكم بأنّ من لم يتحقّق له التصديق المذكور كافر في نفس الأمر، و الحكم بإسلامه إنّما هو في الظاهر، فموضوع الحكمين مختلف فلا منافاة.
ثمّ قال: المراد بالحكم بإسلامه ظاهرا صحّة ترتّب كثير من الأحكام الشرعيّة على ذلك، و الحاصل أنّ الشارع جعل الإقرار بالشهادتين علامة على صحّة إجراء أكثر الأحكام الشرعيّة على المقرّ كحلّ مناكحته و الحكم بطهارته و حقن دمه و ماله و غير ذلك من الأحكام المذكورة في كتب الفروع، و كأنّ الحكمة في ذلك هو التخفيف عن المؤمنين لمسيس الحاجة الى مخالطتهم في أكثر الأزمنة و الأمكنة، و استمالة الكافر الى الإسلام، فإنّه إذا اكتفي في إجراء أحكام المسلمين عليه ظاهرا بمجرّد إقراره الظاهري ازداد ثباته و رغبته في الإسلام، ثمّ يترقّى في ذلك الى أن يتحقّق له الإسلام باطنا أيضا.
و اعلم أنّ جمعا من علماء الإماميّة حكموا بكفر أهل الخلاف، و الأكثر على الحكم بإسلامهم، فإن أرادوا بذلك كونهم كافرين في نفس الأمر لا في الظاهر فالظاهر أنّ النزاع لفظيّ، إذ القائلون بإسلامهم يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحّة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر، لا أنّهم مسلمون في نفس الأمر، و لذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار، و إن أرادوا بذلك كونهم كافرين ظاهرا و باطنا فهو ممنوع و لا دليل عليه، بل الدليل قائم على إسلامهم