تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة القارئ 129 من 336 · الصفحة الأصلية 129
صفحة
[صفحة 129]
سعادات و لا كمالات البتة.
الحجة الخامسة أن الإنسان من حيث يأكل و يشرب و يجامع و يؤذي يشاركه سائر الحيوانات و إنما يمتاز عنها بالإنسانية و هي مانعة من تكميل تلك الأحوال و موجبة لنقصانها و تقليلها فلو كانت هذه الأحوال عين السعادة لكان الإنسان من حيث إنه إنسان ناقصا شقيا خسيسا و لما حكمت البديهة بفساد هذا التالي ثبت فساد المقدم.
الحجة السادسة أن العلم الضروري حاصل بأن بهجة الملائكة و سعادتهم أكمل و أشرف من بهجة الحمار و سعادته و من بهجة الديدان و الذباب و سائر الحيوانات و الحشرات ثم لا نزاع أن الملائكة ليس لها هذه اللذات فلو كانت السعادة القصوى ليست إلا هذه اللذات لزم كون هذه الحيوانات الخسيسة أعلى حالا و أكمل درجة من الملائكة المقربين و لما كان هذا التالي باطلا كان المقدم مثله بل هاهنا ما هو أعلى و أقوى مما ذكرناه و هو أنه لا نسبة لكمال واجب الوجود و جلاله و شرفه و عزته إلى أحوال غيره مع أن هذه اللذات الحسية ممتنعة عليه فثبت أن الكمال و الشرف قد يحصلان سوى هذه اللذات الجسمية فإن قالوا ذلك الكمال لأجل حصول الإلهية و ذلك في حق الخلق محال فنقول لا نزاع أن حصول الإلهية في حق الخلق محال إلا
و الفلاسفة قالوا الفلسفة عبارة عن التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية فيجب عليه أن يعرف تفسير هذا التخلق و هذا التشبه و معلوم أنه لا معنى لهما إلا تقليل الحاجات و إضافة الخيرات و الحسنات لا بالاستكثار من اللذات و الشهوات.
الحجة السابعة أن هؤلاء الذين حكموا بأن سعادة الإنسان ليس إلا في تحصيل هذه اللذات البدنية و الراحات الجسمانية إذا رأوا إنسانا أعرض عن طلبها مثل أن يكون مواظبا للصوم مكتفيا بما جاءت الأرض عظم اعتقادهم فيه و زعموا أنه ليس من جنس الإنسان بل من زمرة الملائكة و يعدون أنفسهم بالنسبة إليه أشقياء أراذل و إذا رأوا إنسانا مستغرق الفكر و الهمة في طلب الأكل و الشرب و الوقاع مصروف الهمة إلى تحصيل أسباب هذه الأحوال معرضا عن العلم و الزهد و العبادة قضوا بالبهيمية