تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الستون 60 · صفحة 189 من 437
صفحة
[صفحة 153]
عنه وَ مِنْ خَلْفِهِمْ من حيث لا يعلمون و لا يقدرون وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ من حيث يتيسر لهم أن يعلموا أو يتحرزوا و لكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم و احتياطهم و إنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم و إلى الآخرين بحرف المجاوزة لأن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم و نظيره قولهم جلست عن يمينه وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ مطيعين و إنما قاله ظنا لقوله وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ لما رأى مبدأ الشر فيهم متعددا و مبدأ الخير واحدا و قيل سمعه من الملائكة مَذْؤُماً أي مذموما مَدْحُوراً مطرودا (1). و قال الرازي بعد ذكر بعض هذه الوجوه أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوها أخرى.
أولها و هو الأشرف الأقوى أن في البدن قوى أربعا هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية.
فإحداها القوة الخيالية التي تجمع فيها صور المحسوسات و مثلها و هي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ و صور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها و إليه الإشارة بقوله مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ و القوة الثانية القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات و هي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ و إليه الإشارة بقوله وَ مِنْ خَلْفِهِمْ و القوة الثالثة الشهوة و هي موضوعة في الكبد و هي يمين (2) البدن و القوة الرابعة الغضب و هي موضوعة في البطن الأيسر من القلب فهذه القوى الأربع هي التي تتولد منها أحوال توجب زوال السعادة الروحانية و الشياطين الخارجية ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم يقدر على إلقاء الوسوسة فهذا هو السبب في تعيين الجهات الأربع و هو وجه حقيقي شريف.