تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والثمانون 89 · الصفحة الأصلية 136 / داخلي 136 من 396
»»
[صفحة 136]
باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة و لهذا لا يتحدى الشاعر الخطيب الذي لا يتمكن من الشعر و لا الخطيب الشاعر و إنما يتحدى كل بنظيره و لا يقنع المعارض حتى يأتي بمثل عروض صاحبه كمناقضة جرير للفرزدق و جرير للأخطل و إذا كانت هذه عادتهم فإنما اختلفوا في التحدي عليها.
فإن قيل عادة العرب و إن جرت في التحدي بما ذكرتموه فلا يمنع صحة التحدي بالفصاحة دون طريقة النظم لا سيما و الفصاحة هي التي يصح فيها التفاضل و إذا لم يمتنع ذلك فبما أنكرتم أن يكون تحداهم بالفصاحة دون النظم فأفهمهم قصده فلهذا لم يستفهموه.
قلنا ليس نمنع أن يقع التحدي بالفصاحة دون النظم فمن أين عرفته و إنما سمعناه في التحدي بالقرآن من حيث أطلق التحدي به و عرى عما يخصه بوجه دون وجه فحملناه على ما عهده القوم و ألفوه في التحدي فلو كان أفهمهم تخصيص التحدي بقول مسموع لوجب أن ينقل إلينا لفظه و لا نجد له نقلا و لو كان أفهمهم بمخارج الكلام أو بإشارة و غيرها لوجب اتصاله بنا أيضا فإن ما يدعو إلى النقل للألفاظ يدعو إلى نقل ما يتصل بها من مقاصد و مخارج سيما فيما تمس الحاجة إليه.
أ لا ترى أنه لما نفى النبوة بعد نبوته بقوله لا نبي بعدي أفهم مراده السامعين من هذا القول أنه عنى لا نبي بقي من البشر كلهم و أراد بالبعد عموم سائر الأوقات اتصل ذلك بنا على حد اتصال اللفظ و في ارتفاع كل ذلك من النقل دليل على صحة قولنا.
على أن التحدي لو كان مقصورا على الفصاحة دون النظم لوقعت المعارضة من القوم ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم لأنا نعلم خفاء الفرق بين قصار السور و فصيح كلام العرب.
فكان يجب أن يعارضوه فإذا لم يفعلوا فلأنهم فهموا من التحدي الفصاحة و طريقة النظم و لم يجتمعا لهم و اختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر ضروب