تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء التاسع والثمانون 89 · صفحة 371 من 1131
صفحة
[صفحة 1] يرغبون عن معارضته. (1)
فإن قيل أ لستم تقولون إن ما يأتي به محمد من القرآن هو كلام الله و فعله و قلتم إن مقدورات العباد لا تنتقض بها العادة و قلتم إن القرآن هو أول كلام تكلم به تعالى و ليس بحادث في وقت نزوله و الناقض للعادة لا بد و أن يكون هو متجدد الحدوث لأن الكلام مقدور للعباد فما يكون من جنسه لا يكون ناقضا للعادة فلا يكون معجزا للعباد.
الجواب أن الناقض للعادة هو ظهور القرآن في مثل بلاغته المعجزة و ذلك يتجدد و ليس يظهر مثله في العادة سواء جوز أن يكون من قبله أو من قبل ملك يظهر عليه بأمره تعالى أو أوحى الله به إليه فإذا علم صدقه في دعواه بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه و جنسه عن مثله و عما يقاربه و كان ناقضا للعادة فكان معجزا دالا على صدقه و لم يضرنا في ذلك أن يكون تعالى تكلم به قبل إذ لم يجر تعالى عادته في إظهاره على أحد غيره.
و قوله إنه مركب من جنس مقدور العباد لا يقدح في كونه ناقضا للعادة و لا في كونه معجزا لأن الإعجاز فيه هو من جملة البلاغة و فيها يقع التفاوت بين البلغاء أ لا ترى أن الشعراء و الخطباء يتفاضلون في بلاغتهم في شعرهم و خطبهم فصح أن يكون في الكلام ما بلغ حدا في البلاغة ينقض به العادة في بلاغة البلغاء من العباد.
و يبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا يحصل بقدرة القادر على إحداث الحروف المركبة و إنما يظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ و تلك العلوم لا تحصل للعبد باكتسابه و إنما يحصل له من قبل الله ابتداء و عند اجتهاد العبد في استعمال ما يحصل عنده و تلك العلوم من فعله تعالى و قد أجرى الله عادته فيها بمنح العبد من العلوم للبلاغة فلا يمنح من ذلك إلا مقدارا يتفاوت فيه
____________
(1) مختار الخرائج ص 267- 268، و ما بعده لم يطبع الى قوله و أمّا وجه اعجاز القرآن و قد صححه المؤلّف العلامة بخط يده في نسخة الأصل و ضرب على بعض جملاتها.