صوته في الاسماع، أو في البيت، أو في الوادى، و لا يقال غنى الا إذا رفع صوته بحيث يرجع طنينه و لذلك يقول اللغويون في تعريف الكلمة أنّها صوت مع ترجيع.
و نظيرها «تمنى»، فان العرب لا ترجع فيها الى معناه الاصلى و هو التقدير و التيسير للمطلوب و كأنّه مأخوذ من كلمة جامدة هي حكاية صوت «منّ منّ» اذا قرأ شيئا لنفسه من دون رفع الصوت كقوله:
تمنى كتاب اللّه أول ليلة و آخره لاقى حمام المقادر
و قول الآخر:
تمنى كتاب اللّه بالليل خاليا* * * تمنى داود الزبور على رسل
فالتمنى القراءة من دون رفع الصوت و ترجيعه، و التغنى القراءة مع رفع الصوت و ترجيعه بالطنين.
و المراد بالحديث أن من لم يرفع صوته بالقرآن بحيث يرجع طنين صوته- زعما منه أن ذلك لا يليق بالقرآن أو هو تشبه بأهل الكتابين أو لغير ذلك من المعاذير فليس منا، فيرجع هذا الغناء الى ما هو بالطبع و الفطرة، و الاتساق و الاتزان المناسب لألفاظ القرآن و معانيه؛ لا يكون ذلك الا بقطع و وصل، و مد و جزر، و وزانة، و طمأنينة. و غير ذلك ممّا يعرف في الغناء الفطرى الطبيعي.
و أمّا الغناء المصطلح في علم الموسيقى فلم يكن معروفا عند العرب الجاهلى و لا في دوران النبوّة، و انما تعرف العرب الحدى و هو صوت بترنم كانت الحداة تساق به ابلهم و ليس الاغناء فطريا طبيعيا قرره نبى الإسلام، و أجازه و سمعه، و كان له في حجة الوداع حاديان: البراء بن مالك يحدو بالرجال، و انجشة الأسود الغلام الحبشى يحدو بالنساء و في ذلك قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «رويدا يا انجشة! رفقا بالقوارير» و انما عرفت العرب الغناء المصطلح في دوران الامويين حيث رغب البطالون من الامراء و الخلفاء و ذوى الثروة في ذلك، فدخل الغناء المعروف في ألحان العرب و أشعارهم من قبل الفرس و الروم.
قدم الحجاز رجل يسمى بنشيط فغنى فأعجب به مولاه، فقال سائب خاثر: أنا أصنع.