تفسير القمي

أبى الحسن على بن إبراهيم القمى · تفسير القمي الجزء الثاني 2 · صفحة 206 من 371

صفحة
[صفحة 206]
(1) راجع حاشيتنا في الجزء الاول من هذا الكتاب ص 206. ج. ز (*)


الصفحة 72


لرعيتك قال وكيف ذلك؟ قالت رأيتك تقتل أولاد رعيتك فكان يذهب النسل فقلت: إن كان هذا الذي تطلبه دفعته اليك لتقتله وتكف عن قتل اولاد الناس وإن لم يكن ذلك بقي لنا ولدنا وقد ظفرت به فشأنك فكف عن اولاد الناس فصوب رأيها ثم قال لابراهيم (عليه السلام): من فعل هذا بآلهتنا يا ابراهيم؟ قال ابراهيم (فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون) فقال الصادق (عليه السلام) والله ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم فقيل وكيف ذلك؟ قال انما قال فعله كبيرهم هذا ان نطق وإن لم ينطق فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا، فاستشار نمرود قومه في ابراهيم (فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) فقال الصادق (عليه السلام) كان فرعون ابراهيم لغير رشد وأصحابه لغير رشد (فرعون ابراهيم لغير رشده واصحابه لغير رشدهم ـ ك -) فانهم قالوا لنمرود: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين وكان موسى وأصحابه رشده فانه لما استشار اصحابه في موسى قالوا: ارجه وأخاه وارسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم، فحبس ابراهيم وجمع له الحطب حتى إذا كان اليوم الذي ألقى فيه نمرود ابراهيم في النار برز نمرود وجنوده وقد كان بني لنمرود بناء لينظر منه إلى ابراهيم كيف تأخذه النار، فجاء؟ بليس واتخذ لهم المنجنيق لانه لم يقدر واحد ان يقرب من تلك النار عن غلوه سهم وكان الطائر من مسيرة فرسخ يرجع عنها ان يتقارب من النار وكان الطائر إذا مر في الهواء يحترق فوضع ابراهيم (عليه السلام) في المنجنيق وجاء ابوه فلطمه لطمة وقال له ارجع عما انت عليه.


وأنزل الرب ملائكته إلى السماء الدنيا ولم يبق شئ إلا طلب إلى ربه وقالت الارض يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره فيحرق وقالت الملائكة يا رب خليلك ابراهيم يحرق، فقال الله عزوجل: اما انه إن دعاني كفته؟ وقال جبرئيل: يا رب خليلك ابراهيم ليس في الارض أحد يعبدك غيره سلطت عليه


الصفحة 73


عدوه يحرقه بالنار فقال اسكت انما يقول هذا عبد مثلك يخاف الفوت هو عبدي آخذه إذا شئت فان دعاني أجبته فدعا ابراهيم (عليه السلام) ربه بسورة الاخلاص " يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد نجني من النار برحمتك " فالتقى معه جبرئيل في الهواء وقد وضع في المنجنيق، فقال: يا ابراهيم هل لك إلي من حاجة؟ فقال ابراهيم: أما اليك فلا، وأما إلى رب العالمين فنعم فدفع اليه خاتما عليه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله ألجأت ظهري إلى الله أسندت أمري إلى (قوه خ ل) الله وفوضت أمري إلى الله، فأوحى الله إلى النار كوني بردا فاضطربت أسنان ابراهيم من البرد حتى قال وسلاما على ابراهيم وانحط جبرئيل وجلس معه يحدثه في النار ونظر اليه نمرود، فقال من اتخذ إلها فليتخذ مثل إله ابراهيم، فقال عظيم من عظماء أصحاب نمرود اني عزمت على النار أن لا تحرقه. فخرج عمود من النار نحو الرجل فأحرقته فآمن له لوط وخرج مهاجرا إلى الشام ونظر نمرود إلى ابراهيم في روضة خضراء في الناء ومعه شيخ يحدثه فقال لآزر ما اكرم ابنك على ربه قال وكان الوزغ ينفخ في نار ابراهيم وكل الضفدع يذهب بالماء ليطفئ به النار قال ولما قال الله للنار كوني بردا وسلاما لم تعمل النار في الدنيا ثلاثة ايام ثم قال الله عزوجل: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) فقال الله (ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين) يعني إلى الشام وسواد الكوفة وكوثى رباط وقوله: (ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة) قال ولد الولد وهو يعقوب وقوله (ونجيناه) يعني لوطا (من القرية التي كانت تعمل الخبائث) قال كانوا ينكحون الرجال.


واما قوله: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) فانه حدثني ابي عن عبدالله بن يحيى عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال كان في بني إسرائيل رجل له كرم ونفشت فيه


الصفحة 74


غنم رجل آخر بالليل وقضمته وأفسدته فجاء صاحب الكرم إلى داود فاستعدى (1) على صاحب الغنم، فقال داود (عليه السلام): اذهبا إلى سليمان (عليه السلام) ليحكم بينكما فذهبا اليه فقال سليمان (عليه السلام) ان كانت الغنم اكلت الاصل والفرع فعلى صاحب الغنم ان يدفع إلى صاحب الكرم الغنم وما في بطنها وان كانت ذهبت بالفرع ولم تذهب بالاصل فانه يدفع ولدها إلى صاحب الكرم، وكان هذا حكم داود وانما أراد ان بعرف بني إسرائيل ان سليمان وصيه بعده ولم يختلفا في الحكم ولو اختلف حكمهما لقال (2) كنا لحكمهما شاهدين وقوله: (وعلمناه صنعة لبوس لكم) يعني الدرع (لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون) وقوله: (ولسليمان الريح عاصفة) قال تجري من كل جانب (إلى الارض التي باركنا فيها) قال إلى بيت المقدس والشام حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عيسى بن زياد عن الحسن بن علي بن فضال عن عبدالله بن بكير وغيره عن ابي عبدالله (عليه السلام) في قول الله: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) قال أحيى الله له (3) أهله الذين كانوا قبل البلية وأحيى له أهله الذين ماتوا وهو في البلية.


وقال علي بن ابراهيم في قوله: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا) قال هو يونس ومعنى ذا النون ذا الحوت وقوله: (فظن ان لن نقدر عليه) قال أنزله على أشد الامرين وظن به أشد الظن، وقال ان جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس ولم يسمعه يونس، قلت ما كان حال يونس لما ظن ان الله لن يقدر عليه؟ قال كان من أمر شديد، قلت وما كان سببه حتى ظن ان الله لن يقدر عليه؟ قال وكله الله إلى نفسه طرفة عين، قال وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن عبدالله بن


____________


(1) استعداه استغاثه ق م. (2) لعل الصواب " لما قال " مكان " لقال " (3) أي لايوب (عليه السلام) ج. ز. (*)

الصفحة 75


سيار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيت ام سلمة في ليلتها ففقدته من الفراش فدخلها من ذلك ما يدخل النساء فقامت تطلبه في جوانب البيت حتى انتهت اليه وهو في جانب من البيت قائم رافع يديه يبكي وهو يقول " اللهم لا تنزع مني صالح ما أعطيتني أبدا اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا اللهم لا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا اللهم لا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا " قال فانصرفت ام سلمة تبكي حتى انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبكائها فقال لها ما يبكيك يا ام سلمة؟ فقالت بأبي انت وامي يا رسول الله ولم لا أبكي وانت بالمكان الذي انت به من الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر تسأله ان لا يشمت بك عدوا ابدا ولا حاسدا وان لا يردك في سوء استنقذك منه ابدا وان لا ينزع عنك صالح ما اعطاك ابدا وان لا يكلك إلى نفسك طرفة عين ابدا، فقال يا ام سلمة وما يؤمنني وانما وكل الله ونس بن متى إلى نفسه طرفة عين فكان منه ما كان.


وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله (وذا النون إذ ذهب مغاضبا) يول من أعمال قومه (فظن ان لن نقدر عليه) يقول ظن ان لن يعاقب بما صنع، وفي رواية علي بن ابراهيم في قوله: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وانت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) قال كانت لا تحيض فحاضت وقوله (ويدعوننا رغبا ورهبا) قال راغبين راهبين وقوله (والتي أحصنت فرجها) قال مريم لم ينظر اليها شئ وقوله: (فنفخنا فيها من روحنا) قال روح مخلوقة بأمر الله يعني من أمرنا وقوله: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) اي لا يبطل سعيه وقوله: (وحرام على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان عن ابي بصير عن محمد بن مسلم عن ابي عبدالله


الصفحة 76


وابي جعفر (عليهما السلام) قالا كل قرية أهلك الله اهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة فهذه الآية من أعظم الدلالة في الرجعة لان احدا من اهل الاسلام لا ينكر ان الناس كلهم يرجعون إلى القيامة من هلك ومن لم يهلك قوله (ولا يرجعون) ايضا عنى في الرجعة فاما إلى القيامة فيرجعون حتى يدخلوا النار وقوله (حتى إذا فتحت ياجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون) قال إذا كان في آخر الزمان خرج ياجوج وماجوج إلى الدنيا ويأكلون الناس ثم احتج عزوجل على عبدة الاوثان فقال (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ـ إلى قوله ـ وهم فيها لا يسمعون) في رواية ابى الجارود عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية وجد منها أهل مكة وجدا شديدا فدخل عليهم عبدالله بن الزبعرى (1) وكفار قريش يخوضون في هذه الآية، فقال ابن الزبعرى: أمحمد تكلم بهذه الآية؟ قالوا: نعم، قال ابن الزبعرى ان اعترف بها لاخصمنه، فجمع بينهما فقال:


يا محمد أرأيت الآية التي قرأت آنفا أفينا وفي آلهتنا ام في الامم الماضية وآلهتهم قال (صلى الله عليه وآله): بل فيكم وفي آلهتكم وفي الامم الماضية إلا من استثنى الله، فقال ابن الزبعرى خاصمتك والله ألست تثنى على عيسى خيرا وقد عرفت ان النصارى يعبدون عيسى وامه وان طائفة من الناس يعبدون الملائكة أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا، فضحكت قريش وضحك وقالت قريش خصمك ابن الزبعرى فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلتم الباطل أما قلت إلا من استثنى الله وقوله: (ان الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت انفسهم خالدون) وقوله (حصب جهنم) يقول يقذفون فيها قذفا وقوله (اولئك عنها مبعدون) يعنى الملائكة وعيسى


____________


(1) وفي النسختين " ك ط " " الزبعرا " بالالف ج. ز. (*)

الصفحة 77


ابن مريم (عليها السلام). وقال علي ن ابراهيم " ان الذين سبقت لهم منا الحسنى " ناسخة لقوله " وان منكم إلا واردها " وقوله (لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ـ إلى قوله ـ إنا كنا فاعلين) فانه حدثنى ابى عن ابن ابى عمير عن منصور بن يونس عن عمرو بن ابى شيبة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول ابتداءا منه: ان الله إذا بدا له ان يبين خلقه ويجمعهم لما لابد منه امر مناديا ينادي فاجتمع الانس والجن في اسرع من طرفة العين ثم أذن لسماء الدنيا فتنزل فكان من وراء الناس وأذن للسماء الثانية فتنزل وهي ضعف التي تليها فاذا رآها اهل السماء الدنيا قالوا جاء ربنا قالوا لا وهو آت يعنى امره حتى تنزل كل سماء تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى وهي ضعف التي تليها ثم ينزل امر الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر وإلى ربك ترجع الامور ثم يأمر الله مناديا ينادي " يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " قال وبكى (عليه السلام) حتى إذا سكت قال قلت جعلني الله فداك يا ابا جعفر واين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته؟ فقال ابوجعفر (عليه السلام)

التالي ص 206/371 — الأصلية 206 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...