هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 235 من 743
صفحة
[صفحة 241]
منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه، فيكف اضطرارا.
فلما قال موسى (عليه السلام) للفتى ذلك، و صار الله عز و جل له لمقالته حافظا، قال هذا المنشور، اللهم إني أسألك بما سألك هذا الفتى من الصلاة على محمد و آله الطيبين و التوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة عمي، و تجزي عني أعدائي و حسادي و ترزقني فيها خيرا كثيرا طيبا.
فأوحى الله إليه: يا موسى، إنه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستون سنة، و قد وهبته بمسألته (1) و توسله بمحمد و آله الطيبين سبعين سنة، تمام مائة و ثلاثين سنة صحيحة حواسه، ثابت فيها جنانه، قوية فيها شهواته، يمتع بحلال هذه الدنيا، و يعيش و لا يفارقها و لا تفارقه، فإذا حان حينه حان حينها و ماتا جميعا معا فصارا إلى جناتي، و كانا زوجين فيها ناعمين.
و لو سألني-يا موسى-هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة اعتقاده أن أعصمه من الحسد، و أقنعه بما رزقته-و ذلك هو الملك العظيم-لفعلت.
و لو سألني بعد ذلك (2) مع التوبة عن صنيعه أن لا أفضحه لما فضحته (3) ، و لصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل، و لأغنيت هذا الفتى من غير هذا الوجه بقدر هذا المال.
و لو سألني بعد ما افتضح، و تاب إلي، و توسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن أنسي الناس فعله-بعد ما ألطف لأوليائه فيعفون عن القصاص-فعلت، فكان لا يعيره أحد بفعله، و لا يذكره فيهم ذاكر، و لكن ذلك فضلي أوتيه من أشاء، و أنا العدل الحكيم (4) .
فلما ذبحوها قال الله تعالى: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ فأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة، و لكن اللجاج حملهم على ذلك، و اتهامهم لموسى (عليه السلام) حدأهم (5) عليه» .
قال: «فضجوا إلى موسى (عليه السلام) ، و قالوا: افتقرت القبيلة و دفعت (6) إلى التكفف (7) ، فانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا و كثيرنا، فادع الله لنا بسعة الرزق.
فقال موسى (عليه السلام) : ويحكم ما أعمى قلوبكم!أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة، و ما أورثه الله تعالى من الغنى؟أو ما سمعتم دعاء المقتول المنشور، و ما أثمر له من العمر الطويل و السعادة و التنعم (8) بحواسه و سائر
____________
(1) في «س» : بمسألتي.
(2) في المصدر: بذلك.
(3) في «س» : أفضحته.
(4) في المصدر: و أنا ذو الفضل العظيم، و أعدل بالمنع على من أشاء، و أنا العزيز الحكيم.
(5) حدأت إليه: أي لجأت إليه. «الصحاح-حدأ-1: 43» ، و في «ط» : جرّهم.