هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 537 من 1218
صفحة
[صفحة 150]
و البرق أصابعهم في آذانهم لئلا يخلع صوت الرعد أفئدتهم، فكذلك يجعلون أصابعهم في آذانهم]إذا سمعوا لعنك لمن نكث البيعة و وعيدك لهم إذا علمت أحوالهم يَجْعَلُونَ أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ مِنَ اَلصَّوََاعِقِ حَذَرَ اَلْمَوْتِ لئلا يسمعوا لعنك و وعيدك فتغير ألوانهم، فيستدل أصحابك أنهم المعنيون باللعن و الوعيد، لما قد ظهر من التغيير و الاضطراب عليهم، فتقوى التهمة عليهم، فلا يأمنون هلاكهم بذلك على يدك و في حكمك.
ثم قال: وَ اَللََّهُ مُحِيطٌ بِالْكََافِرِينَ مقتدر عليهم، لو شاء أظهر لك نفاق منافقيهم، و أبدى لك أسرارهم، و أمرك بقتلهم.
ثم قال: يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ و هذا مثل قوم ابتلوا ببرق فلم يغضوا عنه أبصارهم، و لم يستروا منه وجوههم لتسلم عيونهم من تلألئه، و لم ينظروا إلى الطريق الذي يريدون أن يتخلصوا فيه بضوء البرق، و لكنهم نظروا إلى نفس البرق فكاد يخطف أبصارهم.
فكذلك هؤلاء المنافقون، يكاد ما في القرآن من الآيات المحكمة، الدالة على نبوتك، الموضحة عن صدقك، في نصب أخيك علي إماما، و يكاد ما يشاهدونه منك-يا محمد-و من أخيك علي من المعجزات، الدالات على أن أمرك و أمره هو الحق الذي لا ريب فيه، ثم هم-مع ذلك-لا ينظرون في دلائل ما يشاهدون من آيات القرآن، و آياتك و آيات أخيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، يكاد ذهابهم عن الحق في حججك يبطل عليهم سائر ما قد عملوه من الأشياء التي يعرفونها، لأن من جحد حقا واحدا، أداه ذلك الجحود إلى أن يجحد كل حق، فصار جاحده في بطلان سائر الحقوق عليه، كالناظر إلى جرم الشمس في ذهاب نور بصره.
ثم قال: كُلَّمََا أَضََاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ إذا ظهر ما اعتقدوا أنه الحجة، مشوا فيه: ثبتوا عليه، و هؤلاء كانوا إذا أنتجت خيولهم (1) الإناث، و نساؤهم الذكور، و حملت نخيلهم، و زكت (2) زروعهم، و نمت تجارتهم، و كثرت الألبان في ضروعهم، قالوا: يوشك أن يكون هذا ببركة بيعتنا لعلي (عليه السلام) ، إنه مبخوت (3) ، مدال (4) فبذاك ينبغي أن نعطيه ظاهر الطاعة، لنعيش في دولته.
وَ إِذََا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قََامُوا أي إذا أنتجت خيولهم الذكور، و نساؤهم الإناث، و لم يربحوا في تجارتهم، و لا حملت نخيلهم، و لا زكت زروعهم، وقفوا و قالوا: هذا بشؤم هذه البيعة التي بايعناها عليا، و التصديق الذي صدقنا محمدا، و هو نظير ما قال الله عز و جل: يا محمد، إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هََذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هََذِهِ مِنْ عِنْدِكَ (5) . قال الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ
____________
5 «6»
بحكمه النافذ و قضائه، ليس ذلك لشؤمي و لا ليمني.
____________
(1) أنتجت الفرس: إذا حان نتاجها، و قيل: إذا استبان حملها. «الصحاح-نتج-1: 343» .
(2) زكا الزرع: أي نما. «الصحاح-زكا-6: 2368» .
(3) رجل بخيت: ذو جدّ، قال ابن دريد: لا أحسبها فصيحة و المبخوت: المجدود. «لسان العرب-بخت-2: 10» .
(4) أدال فلانا على فلان أو من فلان: نصره، و غلبه عليه، فالمدال: المنتصر، الغالب الذي دالت له الدولة.