هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 626 من 743
صفحة
[صفحة 634]
فقالوا: إذا كان غدا باهلناك، فقال القوم بعضهم لبعض: حتى ننظر بما يباهلنا غدا بكثرة أتباعه من أوباش الناس، أم بالقلة (1) من أهل الصفوة و الطهارة، فإنهم وشيج (2) الأنبياء، و موضع نهلهم.
فلما كان من الغد غدا النبي (صلى الله عليه و آله) بيمينه علي، و بيساره الحسن و الحسين، و من ورائهم فاطمة (صلى الله عليهم) ، عليهم النمار النجرانية (3) ، و على كتف رسول الله (صلى الله عليه و آله) كساء قطواني (4) رقيق خشن ليس بكثيف و لا لين، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما، و نشر الكساء عليهما، و أدخلهم تحت الكساء، و أدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء معتمدا على قوسه النبع، و رفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة، و أشرف (5)
الناس ينظرون و اصفر لون السيد و العاقب و زلزلا (6) حتى كادا أن تطيش عقولهما.
فقال أحدهما لصاحبه: أ نباهله؟قال: أو ما علمت أنه ما باهل قوم قط نبيا فنشأ صغيرهم أو بقي كبيرهم؟ و لكن أره أنك غير مكترث، و أعطه من المال و السلاح ما أراد، فإن الرجل محارب، و قل له: أ بهؤلاء تباهلنا؟لئلا يرى أنه قد تقدمت معرفتنا بفضله و فضل أهل بيته.
فلما رفع النبي (صلى الله عليه و آله) يده إلى السماء للمباهلة، قال أحدهما لصاحبه: و أي رهبانية؟دارك الرجل، فإنه إن فاه ببهلة لم نرجع إلى أهل و لا مال. فقالا: يا أبا القاسم، أ فبهؤلاء تباهلنا؟قال: «نعم، هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدي إلى الله عز و جل وجيهة، و أقربهم إليه وسيلة» .
قال: فبصبصا-يعني ارتعدا و كرا-و قالا له: يا أبا القاسم، نعطيك ألف سيف، و ألف درع، و ألف حجفة (7) و ألف دينار كل عام، على أن الدرع و السيف و الحجفة عندك إعارة حتى يأتي من ورائنا من قومنا فنعلمهم بالذي رأينا و شاهدنا، فيكون الأمر على ملأ منهم، فإما الإسلام، و إما الجزية، و إما المقاطعة في كل عام.
فقال النبي (صلى الله عليه و آله) : «قد قبلت ذلك منكما، أما و الذي بعثني بالكرامة، لو باهلتموني بمن تحت الكساء لأضرم الله عز و جل عليكم الوادي نارا تأجج تأججا، حتى يساقها إلى من ورائكم في أسرع من طرفة عين فأحرقتهم تأججا» .
فهبط عليه جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام) ، فقال: يا محمد، إن الله يقرئك السلام، و يقول لك: و عزتي و جلالي و ارتفاع مكاني لو باهلت بمن تحت الكساء أهل السماوات و أهل الأرض لتساقطت السماء كسفا متهافتة،
____________
(1) في المصدر: بأهله.
(2) الوشيجة: عرق الشجرة. و استعير هنا لاشتباك القرابة و الصّلة.
(3) النّمار: جمع نمرة: كساء مخطط. «مجمع البحرين-نمر-3: 503» .
(4) في «ط» : قرقف، و لعلّه تصحيف قرطف: القطيفة، و القطواني: نوع من الأكسية منسوبة إلى موضع في الكوفة، و القطوانيّة: عباءة بيضاء قصيرة الخمل. «القاموس المحيط-قطا-4: 381» ، «لسان العرب-قطا-15: 191» .
(5) في المصدر: و اشرأبّ: أي رفع رأسه لينظر إليه.
(6) في «ط» و المصدر: و كرّا.
(7) الحجفة: الترس، و ذلك إن كانت من جلود و ليس فيها خشب، و تسمى درقة أيضا. «مجمع البحرين-حجف-5: 35» .