هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 582 من 898
صفحة
[صفحة 582]
كنت عند الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) إذ دخل عليه معاوية بن وهب و عبد الملك بن أعين، فقال له معاوية ابن وهب: يا بن رسول الله، ما تقول في الخبر الذي روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) رأى ربه، على أي صورة رآه؟ و عن الحديث الذي رووه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، على أي صورة يرونه؟فتبسم (عليه السلام) ثم قال: «يا معاوية، ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله و يأكل من نعمه، ثم لا يعرف الله حق معرفته؟» .
ثم قال (عليه السلام) : «يا معاوية، إن محمدا (صلى الله عليه و آله) لم ير الرب (1) تبارك و تعالى بمشاهدة العيان، و إن الرؤية على وجهين: روية القلب و روية البصر، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، و من عنى برؤية البصر فقد كذب و كفر بالله و بآياته، لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) : من شبه الله بخلقه فقد كفر.
و لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسين بن علي (عليهم السلام) ، قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقيل له: يا أخا رسول الله، هل رأيت ربك؟فقال: كيف أعبد من لم أره؟لم تره العيون بمشاهدة العيان، و لكن رأته القلوب (2)
بحقائق الإيمان. و إذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر، فإن كل من جاز عليه البصر و الرؤية فهو مخلوق، و لا بد للمخلوق من خالق، فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا، و من شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكا. ويلهم، ألم يسمعوا قول الله تعالى: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ (3) و قوله لموسى (عليه السلام) : لَنْ تَرََانِي وَ لََكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا و إنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض، و صعقت الجبال، و خر موسى صعقا-أي ميتا- فلما أفاق ورد عليه روحه قال: سبحانك تبت إليك من قول من زعم أنك ترى، و رجعت إلى معرفتي بك أن الأبصار لا تدركك، و أنا أول المؤمنين و أول المقرين بأنك ترى و لا ترى و أنت بالمنظر الأعلى» .
ثم قال (عليه السلام) : «إن أفضل الفرائض و أوجبها على الإنسان معرفة الرب، و الإقرار له بالعبودية، و حد المعرفة أن يعرف الله أن (4) لا إله غيره، و لا شبيه له و لا نظير، و أن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير فقيد، موصوف من غير شبيه له و لا نظير له و لا مبطل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ (5) و بعده معرفة الرسول و الشهادة له بالنبوة، و أدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوته و أن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك عن الله عز و جل. و بعده معرفة الإمام الذي به يأتم بنعته و صفته و اسمه في حال العسر و اليسر، و أدنى معرفة الإمام أنه عدل النبي إلا درجة النبوة، و وارثه، و أن طاعته طاعة الله و طاعة رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و التسليم له في كل أمر، و الرد إليه و الأخذ بقوله. و يعلم أن الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) علي بن أبي طالب، و بعده الحسن، ثم