هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثاني 2 · صفحة 670 من 898
صفحة
[صفحة 670]
إلينا العرب في السنة مرتين و يكرموننا، و نحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع، فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد ابن عبد الله، فكنا نسميه الأمين لصلاحه و سكونه و صدق لهجته، حتى إذا بلغ ما بلغ و أكرمناه ادعى أنه رسول الله، و أن أخبار السماء تأتيه، فسفه أحلامنا، و سب آلهتنا، و أفسد شبابنا، و فرق جماعتنا، و زعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار، و لم يرد علينا شيء أعظم من هذا، و قد رأيت فيه رأينا، قالوا: و ما رأيت؟قال: رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله، فإن طلبت بنو هاشم بديته (1) أعطيناهم عشر ديات.
فقال الخبيث: هذا رأي خبيث، قالوا: و كيف ذلك؟قال: لأن قاتل محمد مقتول لا محالة، فمن ذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم، فإنه إذا قتل محمد تعصبت بنو هاشم و حلفاؤهم من خزاعة، و إن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض، فتقع بينكم الحروب في حرمكم، و تتفانوا.
فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر، قالوا: و ما هو؟قال: نثبته في بيت و نلقي إليه قوته حتى يأتي إليه ريب المنون فيموت، كما مات زهير و النابغة و امرؤ القيس.
فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر، قالوا: و كيف ذاك؟قال: لأن بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم و اجتمعوا عليكم فأخرجوه.
قال آخر منهم: لا، و لكنا نخرجه من بلادنا، و نتفرغ نحن لعبادة آلهتنا.
قال إبليس: هذا أخبث من الرأيين المتقدمين، قالوا: و كيف ذاك؟قال: لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها، و أنطق الناس لسانا، و أفصحهم لهجة، فتحملونه إلى بوادي العرب فيخدعهم و يسحرهم بلسانه، فلا يفجأكم إلا و قد ملأها عليكم خيلا و رجلا. فبقوا حائرين، ثم قالوا لإبليس: فما الرأي فيه، يا شيخ؟قال: ما فيه إلا رأي واحد، قالوا: و ما هو؟قال: يجتمع من كل بطن من بطون قريش واحد و يكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكينا أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه، و قد شاركوا فيه، فإن سألوكم أن تعطوا الدية فأعطوهم ثلاث ديات، قالوا:
نعم، و عشر ديات. ثم قالوا: الرأي رأي الشيخ النجدي، فاجتمعوا و دخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي (صلى الله عليه و آله) .
و نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك، و أنزل الله عليه في ذلك: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ .
و اجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه، و خرجوا إلى المسجد يصفرون و يصفقون و يطوفون بالبيت، فأنزل الله: وَ مََا كََانَ صَلاََتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاََّ مُكََاءً وَ تَصْدِيَةً (2) فالمكاء: التصفير، و التصدية: صفق