هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 57 من 944
صفحة
[صفحة 63]
جعفر (عليه السلام) : و هي الجبال التي بناحية الموصل اليوم-فصارت حديدا إلى يوم القيامة. فلما رأى قوم يونس أن العذاب قد صرف عنهم هبطوا إلى منازلهم من رؤوس الجبال، و ضموا إليهم نساءهم و أولادهم و أموالهم، و حمدوا الله على ما صرف عنهم.
و أصبح يونس و تنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه، لا يشكان أن العذاب قد نزل بهم و أهلكهم جميعا، لما خفيت أصواتهم عنهما، فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشمس، ينظران إلى ما صار إليه القوم، فلما دنوا من القوم و استقبلهم الحطابون و الحمارة (1) و الرعاة بأغنامهم، و نظروا إلى أهل القرية مطمئنين، قال يونس لتنوخا: يا تنوخا، كذبني الوحي، و كذبت و عدي لقومي، لا و عزة ربي لا يرون لي وجها أبدا بعد ما كذبني الوحي (2) فانطلق يونس هاربا على وجهه، مغاضبا لربه (3) ، ناحية بحر أيلة متنكرا، فرارا من أن يراه أحد من قومه، فيقول له: يا كذاب، فلذلك قال الله: وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغََاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (4) الآية.
و رجع تنوخا إلى القرية، فلقي روبيل، فقال له: يا تنوخا، أي الرأيين كان أصوب و أحق أن يتبع: رأيي، أو رأيك؟ فقال له تنوخا: بل رأيك كان أصوب، و لقد كنت أشرت برأي الحكماء و العلماء.
و قال له تنوخا: أما إني لم أزل أرى أني أفضل منك لزهدي و فضل عبادتي، حتى استبان فضلك لفضل علمك، و ما أعطاك الله ربك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزهد و العبادة بلا علم. فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما، و مضى يونس على وجهه مغاضبا لربه، فكان من قصته ما أخبر الله به في كتابه إلى قوله: فَآمَنُوا فَمَتَّعْنََاهُمْ إِلىََ حِينٍ (5) » .
قال أبو عبيدة: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : كم كان غاب يونس عن قومه حتى رجع إليهم بالنبوة و الرسالة فآمنوا به و صدقوه؟ قال: «أربعة أسابيع: سبعا منها: في ذهابه إلى البحر، و سبعا منها في رجوعه إلى قومه» .
فقلت له: و ما هذه الأسابيع شهور، أو أيام، أو ساعات؟ فقال: «يا أبا عبيدة، إن العذاب أتاهم يوم الأربعاء، في النصف من شوال، و صرف عنهم من يومهم ذلك، فانطلق يونس مغاضبا فمضى يوم الخميس، سبعة أيام في مسيره إلى البحر، و سبعة أيام في بطن الحوت، و سبعة أيام تحت الشجرة بالعراء، و سبعة أيام في رجوعه إلى قومه، فكان ذهابه و رجوعه مسير ثمانية و عشرين يوما، ثم
____________
(1) الحمّارة: أصحاب الحمير في السفر. «الصحاح-حمر-2: 637» .
(2) قال المجلسي (رحمه اللّه) : قوله (عليه السّلام) : «بعد ما كذبني الوحي» أي باعتقاد القوم، البحار 17: 399.
(3) قال المجلسي (رحمه اللّه) : قوله: «مغاضبا لربّه» أي على قومه لربّه تعالى، أي كان غضبه للّه تعالى لا للهوى، أو خائفا عن تكذيب قومه لما تخلّف عنه من وعد ربّه، البحار 17: 399.