هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 632 من 992
صفحة
[صفحة 592]
يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم فيجب عليهم أن يصدقوهم؟قال: بلى، قال: يا عبد الله، أ رأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك و قال قم معي فإنهم قد اقترحوا علي مجيئك، أليس يكون لك مخالفا، و تقول له: إنما أنت رسول، لا مشير و لا آمر (1) ؟قال: بلى، قال: كيف صرت تقترح على رسول رب العالمين مالا تسوغ لأكرتك و معامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم، و كيف أردت من رسول رب العالمين مالا تسوغ لأكرتك (2) و قوامك؟هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته، يا عبد الله.
و أما قولك، يا عبد الله: أو يكون لك بيت من زخرف-و هو الذهب-أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟قال: بلى، قال: أ فصار بذلك نبيا؟قال: لا، قال: فكذلك لا يوجب ذلك لمحمد-لو كان له-نبوة، و محمد لا يغتنم جهلك بحجج الله.
و أما قولك يا عبد الله: أو ترقى في السماء، ثم قلت: و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، يا عبد الله، الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها، و إذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت، فكذلك حكم النزول، ثم قلت: حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، و من بعد ذلك، لا أدري أؤمن بك أو لا أؤمن بك؛ فأنت-يا عبد الله- مقر بأنك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك إلا تأديبه[لك]على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الزبانية، و قد أنزل الله تعالى علي كلمة (3) جامعة لبطلان كل ما اقترحته، فقال تعالى قُلْ يا محمد سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً ؟ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على قدر ما يقترحه الجهال بما يجوز و بما لا يجوز! هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً لا يلزمني إلا إقامة حجة الله التي أعطاني، و ليس لي أن آمر على ربي و أنهى و لا أشير، فأكون كالرسول الذي بعثه (4) ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه.
فقال أبو جهل: يا محمد ها هنا واحدة: أ لست زعمت أن قوم موسى احترقوا بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة؟قال: بلى؛ قال: و لو كنت نبيا لاحترقنا نحن أيضا، فقد سألنا أشد مما قال (5) قوم موسى، لأنهم قالوا: أرنا الله جهرة؛ و نحن قلنا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله و الملائكة قبيلا نعاينهم.