الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن1 · صفحة 20 من 49
صفحة
[صفحة 1] [ مكية ، وهي مائتان وست آيات ] ( 1 )
بسم الله الرحمن الرحيم
( المص ) . مضى الكلام في تأويله في أول سورة البقرة .
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ) : ضيق من تبليغه . قيل : كان
النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاف تكذيب قومه ، فكان يضيق صدره في الأداء ولا ينبسط له ، فأمنه الله
سبحانه بهذه الآية . ( 2 ) ( لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) .
( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) : شياطين الجن والإنس
، فيحملوكم على الأهواء والبدع ( قليلا ما تذكرون ) .
( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا ) : بائتين ، كقوم لوط ( أوهم
قائلون ) : أو قائلين نصف النهار ، من القيلولة كقوم شعيب ، يعني أخذهم في غفلة
منهم وأمن وفي وقتي دعة واستراحة .
( 1 ) ما بين المعقوفتين من " ب " .
( 2 ) الكشاف 2 : 86 .
( فما كان دعواهم ) : ما كانوا يدعونه من دينهم ، أو دعائهم واستغاثتهم ( إذا
جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) : إلا اعترافهم ببطلانه وبظلمهم فيما كانوا
عليه ، وتحسرهم على ما كان منهم .
( فلنسئلن الذين أرسل إليهم ) يعني الأمم عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل
( ولنسئلن المرسلين ) يعني الأنبياء عن تأدية ما حملوا من الرسالة . ورد في حديث :
" فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم ، فيخبرون أنهم قد
أدوا ذلك إلى أممهم ، ويسأل الأمم فيجحدون ، كما قال الله : " فلنسألن " الآية ،
فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير . فيستشهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فيشهد بصدق الرسل
ويكذب من جحدها من الأمم ، فيقول لكل أمة منهم : " قد جاءكم بشير نذير ، والله على
كل شئ قدير " ( 1 ) أي : مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم ، بتبليغ الرسل إليكم
رسالاتهم ، ولذلك قال الله لنبيه : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على
هؤلاء شهيدا " ، ( 2 ) فلا يستطيعون رد شهادته ، خوفا من أن يختم الله على أفواههم ، وأن
يشهد عليهم جوارحهم بما فعلوا " ( 3 ) .
( فلنقصن عليهم ) : على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ( بعلم ) : عالمين
بأحوالهم الظاهرة والباطنة ( وما كنا غائبين ) عنهم وعن أفعالهم وعن أحوالهم ،
والغرض من السؤال : التوبيخ والتقرير عليهم ، وازدياد سرور المثابين بالثناء عليهم ،
وغم المعاقبين بإظهار قبائحهم .
( والوزن يومئذ الحق ) أي : وزن الأعمال والتميز ( 4 ) بين راجحها وخفيفها ( فمن
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 19 .
( 2 ) النساء ( 4 ) : 41 .
( 3 ) راجع : الاحتجاج 1 : 360 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، مع تفاوت يسير .
( 4 ) في " ب " و " ج " : التمييز .
ثقلت موازينه ) : حسناته ، جمع موزون ، أو ما يوزن به حسناته ، جمع ميزان .
( فأولئك هم المفلحون ) .
( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا
يظلمون ) . ورد : إنه سئل عن وقول الله عز وجل : " ونضع الموازين القسط ليوم
القيامة " قال : " هم الأنبياء والأوصياء " . ( 1 ) وفي رواية : " نحن الموازين
القسط " ( 2 ) .
أقول : وذلك لان ميزان كل شئ هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشئ ، فميزان الناس ليوم القيامة : ما يوزن به قدر كل إنسان وقيمته على
حسب عقيدته وخلقه وعمله ، لتجزى كل نفس بما كسبت ، وليس ذلك إلا
الأنبياء والأوصياء ، إذ بهم وباتباع شرائعهم واقتفاء آثارهم وترك ذلك ،
وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم ،
فميزان كل أمة هو نبي تلك الأمة ووصي نبيها والشريعة التي أتى بها ، فمن
ثقلت حسناته وكثرت ، فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت وقلت حسناته ،
فأولئك الذين خسروا أنفسهم ، أي : ضيعوا فطرتهم بسبب ظلمهم عليها ،
بتكذيبهم الأنبياء والأوصياء . تمام تحقيق هذا المقام يطلب من رسالتنا الموسومة بميزان
القيامة .
( ولقد مكناكم في الأرض ) : مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها
( وجعلنا لكم فيها معايش ) تعيشون بها ( قليلا ما تشكرون ) .
( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) . قال : " أما " خلقناكم " ، فنطفة ثم علقة ثم
مضغة ثم عظما ثم لحما ، وأما " صورناكم " ، فالعين والأنف والأذنين والفم واليدين
( 1 ) معاني الأخبار : 31 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 2 ) الكلمات المكنونة : 158 ، عنهم عليهم السلام .
والرجلين ، صور هذا ونحوه ، ثم جعل الدميم والوسيم ( 1 ) والجسيم والطويل والقصير
وأشباه هذا " ( 2 ) .
أقول : الاقتصار على بيان الخلق والتصوير لبني آدم في الحديث ، لا ينافي شمول الآية لادم ، فإنه خلقه طينا غير مصور ثم صوره ، فلا ينافي الحديث تمام الآية .
( ثم قلنا ) أي : بعد خلق آدم وتصويره ( للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا
إبليس لم يكن من الساجدين ) .
( قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) أي : أن تسجد . تزاد " لا " في مثله لتأكيد
معنى الفعل الذي دخلت عليه ، نظيره : " لئلا يعلم " ( 3 ) ، وفيه تنبيه على أن الموبخ عليه ،
ترك السجود ، على أن الممنوع عن الشئ مضطر إلى خلافه ، فكأنه قيل : ما اضطرك أن
لا تسجد . ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) . قال : " إن إبليس قاس
نفسه بآدم فقال : خلقتني من نار وخلقته من طين ، فلو قاس الجوهر الذي خلق منه آدم ،
بالنار ، كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار " ( 4 ) . وفي رواية : " ولو قاس نورية آدم بنورية
النار ، عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الاخر " ( 5 ) . وفي أخرى : " كذب
إبليس ، ما خلقه الله تعالى إلا من طين ، قال الله عز وجل : " الذي جعل لكم من الشجر
الأخضر نارا " ( 6 ) قد خلقه الله من تلك النار ومن تلك الشجرة ، والشجرة أصلها من طين " ( 7 ) .
( قال فأهبط منها ) : من المنزلة التي أنت عليها في السماء وزمرة الملائكة ( فما
( 1 ) الدميم : القبيح المنظر ، والوسيم : الحسن الوجه . مجمع البحرين 6 : 64 ( دهم ) . الصحاح 5 : 2051
( وسم ) .
( 2 ) القمي 1 : 224 ، عن أبي جعفر عليه السلام ، وليس فيه : " الجسم " .
( 3 ) الحديد ( 57 ) : 29 .
( 4 ) الكافي 1 : 58 ، الحديث : 18 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 5 ) المصدر ، الحديث : 20 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 6 ) يونس ( 10 ) : 80 .
( 7 ) القمي 2 : 244 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
يكون لك ) : فما يصح لك ( أن تتكبر فيها ) وتعصي ، فإنها مكان الخاشع المطيع ، وفيه
تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة . ( فأخرج إنك من الصاغرين ) فإن من تكبر وضعه الله .
( قال أنظرني إلى يوم يبعثون ) : أمهلني إلى يوم القيامة ، فلا تمتني ولا تعجل
عقوبتي .
( قال إنك من المنظرين ) . أجابه الله إلى ما سأله من الامهال ، ولم يجبه إلى ما سأله
من غايته ، لان الله تعالى يقول في موضع آخر : " فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت
المعلوم " ( 1 ) وهو النفخة الأولى ويوم البعث ، والقيامة هو النفخة الثانية . وورد : " يموت
إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية " ( 2 ) . وفي رواية : " أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا " ( 3 ) .
وفي إسعافه ( 4 ) إليه ، ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته .
( قال فبما أغويتني ) : فبسبب إغوائك إياي ، وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ،
ولم يثبت كما ثبتت الملائكة ، فإنه لما أمره لله بالسجود حملته الانفة على معصيته .
( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) : لاجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما
فسدت بسببهم ، بأن أترصد لهم على طريق الاسلام كما يترصد القطاع على الطريق
ليقطعه على المارة . ورد : " الصراط هنا : علي عليه السلام " ( 5 ) . في رواية : " يا زرارة ( 6 ) إنما عمد