( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) أي :
بعد حديثه ، وهو القرآن . وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم ، كقولك : أعجبني زيد كرمه .
( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .
( ويل لكل أفاك أثيم ) : كذاب كثير الاثم .
( يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ) : يقيم على كفره ( مستكبرا ) عن الايمان
بالآيات . و ( ثم ) لاستبعاد الاصرار بعد سماع الآيات . ( كأن لم يسمعها ) أي : كأنه
( فبشره بعذاب أليم ) .
( وإذا علم من اياتنا شيئا ) القمي : وإذا رأى ( 1 ) . ( اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب
مهين ) .
( من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا ) من الأموال والأولاد ( شيئا ولا
( ما اتخذوا من دون الله أولياء ) من الأصنام والرؤساء ( ولهم عذاب عظيم ) .
( هذا هدى ) أي : القرآن ( والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز ) : من
أشد العذاب ( أليم ) .
( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ) : بتسخيره وأنتم راكبوها
( ولتبتغوا من فضله ) بالتجارة والغوص والصيد وغيرها ( ولعلكم تشكرون ) .
( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ) بأن خلقها كلها نافعة لكم
( منه ) : كائنة منه ( إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون ) .
( قل للذين امنوا يغفروا ) أي : قل لهم : اغفروا يغفروا . يعني يعفوا ويصفحوا .
( للذين لا يرجون أيام الله ) : لا يتوقعون وقائعه بأعدائه .
قال : ( قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا أن يعرفوا الذين لا يعلمون ، فإذا عرفوهم فقد
غفروا لهم ) ( 2 ) .
والقمي : يقول الأئمة الحق : لا تدعوا على أئمة الجور ، حتى يكون الله هو الذي
يعاقبهم ( 3 ) . ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) .
( 1 ) - القمي 2 : 293 .
( 2 ) - القمي 2 : 294 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 3 ) - القمي 2 : 293 .
( من عمل صالحا فلنفسه ) ثوابه ( ومن أساء فعليها ) عقابه ( ثم إلى ربكم
ترجعون ) فيجازيكم على أعمالكم .
( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) : التوراة ( والحكم ) : والحكمة ، أو فصل
الخصومات ( والنبوة ) إذ كثر الأنبياء فيهم ما لم يكثر في غيرهم ( ورزقناهم من
الطيبات وفضلناهم على العالمين ) : عالمي زمانهم .
( واتيناهم بينات من الأمر ) : أدلة من أمر الدين ( فما اختلفوا ) في ذلك الأمر ( إلا
من بعد ما جاءهم العلم ) بحقيقة الحال ( بغيا بينهم ) : عداوة وحسدا .
( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) .
( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) : طريقة من أمر الدين ( فاتبعها ولا تتبع أهواء
الذين لا يعلمون ) . القمي : هذا تأديب لرسول الله صلى الله عليه وآله ، والمعنى لأمته ( 1 ) .
( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) مما أراد بك ( وإن الظالمين بعضهم أولياء
بعض والله ولي المتقين ) .
( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) .
( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) : اكتسبوها ( أن نجعلهم كالذين امنوا
وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون .
( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم
لا يظلمون ) .
( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) بأن أطاعه وبنى عليه دينه .
القمي : نزلت في قريش ، كلما هووا شيئا عبدوه ، وجرت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في
أصحابه الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام ، واتخذوا إماما بأهوائهم ( 2 ) .
( 1 ) - القمي 2 : 294 .
( 2 ) - القمي 2 : 294 .
( وأضله الله على علم ) : وخذله ، عالما بضلاله وفساد جوهر روحه . ( وختم على
سمعه وقلبه ) فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات ( وجعل على بصره غشاوة ) فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار ( فمن يهديه من بعد الله ) : من بعد إضلاله ( أفلا
تذكرون .
( وقالوا ما هي ) : ما الحياة ( إلا حياتنا الدنيا ) التي نحن فيها ( نموت ونحيا ) .
القمي : هذا مقدم ومؤخر ، لأن الدهرية لم يقروا بالبعث والنشور بعد الموت ، وإنما قالوا :
نحيا ونموت ( 1 ) . وقيل : أي نموت نحن ويحيا آخرون ممن يأتون بعدنا ( 2 ) . ( وما يهلكنا إلا
الدهر ) : إلا مرور الزمان ( وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) .
قال في حديث : ( فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية ، وهو قول من يقول : لا رب
ولا جنة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم : الدهرية ، وهم الذين يقولون : ) وما
يهلكنا إلا الدهر ( ، وهو دين وضعوه لأنفسهم ، بالاستحسان منهم على غير تثبت منهم ولا
تحقيق لشئ مما يقولون . قال الله عز وجل : ) إن هم إلا يظنون ( أن ذلك كما يقولون ) ( 3 ) .
( وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات ما كان حجتهم ) : ما كان لهم متشبث يعارضونها به
( إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) .
( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن
أكثر الناس لا يعلمون ) لقصور نظرهم على ما يحسونه .
( ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) .
( وترى كل أمة جاثية ) القمي : أي : على ركبها ( 4 ) . أقول : يعني مستوفزين . وقيل :
( 3 ) - الكافي 2 : 389 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 4 ) - القمي 2 : 295 .
أي : مجتمعة ، من الجثوة وهي الجماعة ( 1 ) . ( كل أمة تدعى إلى كتابها ) : صحيفة أعمالها .
( اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) .
( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) : يشهد عليكم .
وورد : ( إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الناطق بالكتاب .
قال الله تعالى : ) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ( فقيل : إنا لا نقرؤها هكذا ؟ فقال : هكذا والله
نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله ، ولكنه مما حرف من كتاب الله ) ( 2 ) . أقول : يعني أنه
نزل على البناء للمفعول .
( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) : نستكتب الملائكة أعمالكم من اللوح
المحفوظ .
ورد : ( إن الملكين الموكلين بالعبد إذا أرادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما إسرافيل
عمل العبد من اللوح المحفوظ ، فيعطيهما ذلك ، فإذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما ، حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه ) ( 3 ) .
وفي رواية : ( أو لستم عربا فكيف لا تعرفون معنى الكلام ؟ ! واحدكم يقول لصاحبه :
انسخ ذلك الكتاب ، أوليس إنما ينسخ من كتاب آخر من الأصل ، وهو قوله : ) إنا كنا
نستنسخ ما كنتم تعملون ( ) ( 4 ) .
( فأما الذين امنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز
المبين ) . ( وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما
مجرمين ) . ( وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما
( 1 ) - الكشاف 3 : 513 ، البيضاوي 5 : 71 .
( 2 ) - الكافي 8 : 50 ، الحديث : 11 ، القمي 2 : 295 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 3 ) - سعد السعود : 226 .
( 4 ) - القمي 2 : 380 ، ذيل الآية : 1 ، عن سورة القلم ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) .
( وبدا لهم ) : ظهر لهم ( سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ) .
( وقيل اليوم ننساكم ) : نترككم في العذاب ترك ما ينسى . ( كما نسيتم لقاء
يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) .
( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون
منها ولا هم يستعتبون ) : لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ، أي : يرضوه لفوات أوانه .
( فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ) إذ الكل نعمة منه .
( وله الكبرياء في السماوات والأرض ) إذ ظهر فيها آثار قدرته ( وهو العزيز )
الذي لا يغلب ( الحكيم ) فيما قدر وقضى ، فاحمدوه وكبروه وأطيعوه له .