الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 100 من 176

صفحة
[صفحة 1]
[ مكية ، وهي سبع وثلاثون آية ] ( 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم

( حم ) .

( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) .

( إن في السماوات والأرض لايات للمؤمنين ) من النجوم والشمس والقمر ،

ومما يخرج من الأرض من أنواع النبات للناس والدواب .

( وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ) .

( واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ) : من مطر ، سماه رزقا

لأنه سببه . ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) : يبسها وتصريف الرياح باختلاف جهاتها

وأحوالها ، وإثارتها السحاب . وإلقاحها الشجر ( آيات لقوم يعقلون ) . ولعل اختلاف

الفواصل لاختلاف الآيات في الدقة والظهور .

( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) أي :

بعد حديثه ، وهو القرآن . وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم ، كقولك : أعجبني زيد كرمه .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .


( ويل لكل أفاك أثيم ) : كذاب كثير الاثم .

( يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ) : يقيم على كفره ( مستكبرا ) عن الايمان

بالآيات . و ( ثم ) لاستبعاد الاصرار بعد سماع الآيات . ( كأن لم يسمعها ) أي : كأنه

( فبشره بعذاب أليم ) .

( وإذا علم من اياتنا شيئا ) القمي : وإذا رأى ( 1 ) . ( اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب

مهين ) .

( من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا ) من الأموال والأولاد ( شيئا ولا

( ما اتخذوا من دون الله أولياء ) من الأصنام والرؤساء ( ولهم عذاب عظيم ) .

( هذا هدى ) أي : القرآن ( والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز ) : من

أشد العذاب ( أليم ) .

( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ) : بتسخيره وأنتم راكبوها

( ولتبتغوا من فضله ) بالتجارة والغوص والصيد وغيرها ( ولعلكم تشكرون ) .

( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ) بأن خلقها كلها نافعة لكم

( منه ) : كائنة منه ( إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون ) .

( قل للذين امنوا يغفروا ) أي : قل لهم : اغفروا يغفروا . يعني يعفوا ويصفحوا .

( للذين لا يرجون أيام الله ) : لا يتوقعون وقائعه بأعدائه .

قال : ( قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا أن يعرفوا الذين لا يعلمون ، فإذا عرفوهم فقد

غفروا لهم ) ( 2 ) .

والقمي : يقول الأئمة الحق : لا تدعوا على أئمة الجور ، حتى يكون الله هو الذي

يعاقبهم ( 3 ) . ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) .


( 1 ) - القمي 2 : 293 .

( 2 ) - القمي 2 : 294 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - القمي 2 : 293 .


( من عمل صالحا فلنفسه ) ثوابه ( ومن أساء فعليها ) عقابه ( ثم إلى ربكم

ترجعون ) فيجازيكم على أعمالكم .

( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) : التوراة ( والحكم ) : والحكمة ، أو فصل

الخصومات ( والنبوة ) إذ كثر الأنبياء فيهم ما لم يكثر في غيرهم ( ورزقناهم من

الطيبات وفضلناهم على العالمين ) : عالمي زمانهم .

( واتيناهم بينات من الأمر ) : أدلة من أمر الدين ( فما اختلفوا ) في ذلك الأمر ( إلا

من بعد ما جاءهم العلم ) بحقيقة الحال ( بغيا بينهم ) : عداوة وحسدا .

( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) .

( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) : طريقة من أمر الدين ( فاتبعها ولا تتبع أهواء

الذين لا يعلمون ) . القمي : هذا تأديب لرسول الله صلى الله عليه وآله ، والمعنى لأمته ( 1 ) .

( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) مما أراد بك ( وإن الظالمين بعضهم أولياء

بعض والله ولي المتقين ) .

( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) .

( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) : اكتسبوها ( أن نجعلهم كالذين امنوا

وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون .

( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم

لا يظلمون ) .

( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) بأن أطاعه وبنى عليه دينه .

القمي : نزلت في قريش ، كلما هووا شيئا عبدوه ، وجرت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في

أصحابه الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام ، واتخذوا إماما بأهوائهم ( 2 ) .


( 1 ) - القمي 2 : 294 .

( 2 ) - القمي 2 : 294 .


( وأضله الله على علم ) : وخذله ، عالما بضلاله وفساد جوهر روحه . ( وختم على

سمعه وقلبه ) فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات ( وجعل على بصره غشاوة ) فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار ( فمن يهديه من بعد الله ) : من بعد إضلاله ( أفلا

تذكرون .

( وقالوا ما هي ) : ما الحياة ( إلا حياتنا الدنيا ) التي نحن فيها ( نموت ونحيا ) .

القمي : هذا مقدم ومؤخر ، لأن الدهرية لم يقروا بالبعث والنشور بعد الموت ، وإنما قالوا :

نحيا ونموت ( 1 ) . وقيل : أي نموت نحن ويحيا آخرون ممن يأتون بعدنا ( 2 ) . ( وما يهلكنا إلا

الدهر ) : إلا مرور الزمان ( وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) .

قال في حديث : ( فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية ، وهو قول من يقول : لا رب

ولا جنة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم : الدهرية ، وهم الذين يقولون : ) وما

يهلكنا إلا الدهر ( ، وهو دين وضعوه لأنفسهم ، بالاستحسان منهم على غير تثبت منهم ولا

تحقيق لشئ مما يقولون . قال الله عز وجل : ) إن هم إلا يظنون ( أن ذلك كما يقولون ) ( 3 ) .

( وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات ما كان حجتهم ) : ما كان لهم متشبث يعارضونها به

( إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) .

( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن

أكثر الناس لا يعلمون ) لقصور نظرهم على ما يحسونه .

( ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) .

( وترى كل أمة جاثية ) القمي : أي : على ركبها ( 4 ) . أقول : يعني مستوفزين . وقيل :


( 1 ) - القمي 2 : 294 .

( 2 ) - جامع البيان ( للطبري ) 25 : 91 ، الكشاف 3 : 512 ، البيضاوي 5 : 7 .

( 3 ) - الكافي 2 : 389 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - القمي 2 : 295 .


أي : مجتمعة ، من الجثوة وهي الجماعة ( 1 ) . ( كل أمة تدعى إلى كتابها ) : صحيفة أعمالها .

( اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) .

( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) : يشهد عليكم .

وورد : ( إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الناطق بالكتاب .

قال الله تعالى : ) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ( فقيل : إنا لا نقرؤها هكذا ؟ فقال : هكذا والله

نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله ، ولكنه مما حرف من كتاب الله ) ( 2 ) . أقول : يعني أنه

نزل على البناء للمفعول .

( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) : نستكتب الملائكة أعمالكم من اللوح

المحفوظ .

ورد : ( إن الملكين الموكلين بالعبد إذا أرادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما إسرافيل

عمل العبد من اللوح المحفوظ ، فيعطيهما ذلك ، فإذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد قابله
إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما ، حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه ) ( 3 ) .

وفي رواية : ( أو لستم عربا فكيف لا تعرفون معنى الكلام ؟ ! واحدكم يقول لصاحبه :

انسخ ذلك الكتاب ، أوليس إنما ينسخ من كتاب آخر من الأصل ، وهو قوله : ) إنا كنا

نستنسخ ما كنتم تعملون ( ) ( 4 ) .

( فأما الذين امنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز

المبين ) . ( وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما

مجرمين ) . ( وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما


( 1 ) - الكشاف 3 : 513 ، البيضاوي 5 : 71 .

( 2 ) - الكافي 8 : 50 ، الحديث : 11 ، القمي 2 : 295 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - سعد السعود : 226 .

( 4 ) - القمي 2 : 380 ، ذيل الآية : 1 ، عن سورة القلم ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) .

( وبدا لهم ) : ظهر لهم ( سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ) .

( وقيل اليوم ننساكم ) : نترككم في العذاب ترك ما ينسى . ( كما نسيتم لقاء

يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) .

( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون

منها ولا هم يستعتبون ) : لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ، أي : يرضوه لفوات أوانه .

( فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ) إذ الكل نعمة منه .

( وله الكبرياء في السماوات والأرض ) إذ ظهر فيها آثار قدرته ( وهو العزيز )

الذي لا يغلب ( الحكيم ) فيما قدر وقضى ، فاحمدوه وكبروه وأطيعوه له .


سورة الأحقاف

التالي ص 100/176 — الأصلية 1 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...