الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 101 من 176

صفحة
[صفحة 1]
[ مكية ، وهي خمس وثلاثون آية ] ( 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم

( حم ) .

( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) .

( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا

عما أنذروا معرضون ) .

( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في

السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا ) يعني القرآن . قال : ( عنى بالكتاب التوراة

والإنجيل ) ( 2 ) . ( أو أثارة من علم ) : أو بقية بقيت عليكم من علوم الأولين قال : ( عنى بذلك

علم أوصياء الأنبياء ) ( 3 ) . ( إن كنتم صادقين ) .

( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ) : ما

دامت الدنيا ( وهم عن دعائهم غافلون ) .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - الكافي 1 : 426 ، الحديث : 72 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - الكافي 1 : 426 ، الحديث : 72 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) : يضرونهم ولا ينفعونهم وكانوا بعبادتهم

كافرين ) . كل من الضميرين ذو وجهين .

( وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر

مبين ) .

( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ) يعني إن عاجلني

الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شئ منها ، فكيف أجترئ عليه وأعرض نفسي للعقاب

من غير توقع نفع ، ولا دفع ضر من قبلكم ! ( هو أعلم بما تفيضون فيه ) من القدح في

آياته ( كفى به شهيدا بيني وبينكم ) يشهد لي بالصدق والبلاغ ، وعليكم بالكذب

والإنكار ، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم . ( وهو الغفور الرحيم ) . وعد بالرحمة والمغفرة

لمن تاب وآمن ، وإشعار بحلم الله عنهم مع جرأتهم ، وقد سبق شأن نزول هذه الآية في

الشورى ( 1 ) .

( قل ما كنت بدعا من الرسل ) : بديعا منهم ، أدعوكم إلى ما لم يدعوا إليه ، أو أقدر

على ما لم يقدروا عليه . ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) في الدارين على التفصيل ، إذ

لا علم لي بالغيب ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ) .

( قل أرأيتم إن كان من عند الله ) أي : القرآن ( وكفرتم به وشهد شاهد من بني

إسرائيل ) قيل ( 2 ) : هو عبد الله بن سلام ( 3 ) . وقيل : موسى عليه السلام ، وشهادته ما في التوراة من

نعت الرسول صلى الله عليه وآله ( 4 ) . ( على مثله ) مما في التوراة من المعاني المصدقة له المطابقة عليه


( 1 ) - ذيل الآية : 25 .

( 2 ) - التبيان 9 : 271 ، الكشاف 3 : 518 ، البيضاوي 5 : 73 .

( 3 ) - عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ، أبو يوسف ، صحابي ، قيل : إنه من نسل يوسف بن يعقوب . أسلم

عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقيل : تأخر إسلامه إلى سنة ثمان . وكان حليفا لبني قينقاع ، وكان اسمه في

الجاهلية ( الحصين ) . وأن أمير المؤمنين عليه السلام لما بويع أرسل خلف جمع وأمرهم بالبيعة . فقيل له : ألا تبعث إلى

حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن سلام ؟ فقال : لا حاجة ، لنا فيمن لا حاجة له فينا . ومات بالمدينة

سنة : 43 . راجع : الإصابة 4 : 80 ، شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 4 : 9 ، الأعلام ( للزركلي ) 4 : 90 .

( 4 ) - التبيان 9 : 271 ، البيضاوي 5 : 73 .


( فامن ) به ( واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) . استئناف مشعر بأن كفرهم

به لضلالهم المسبب عن ظلمهم ، ودليل على الجواب المحذوف ، أي : ألستم ظالمين .

( وقال الذين كفروا للذين امنوا ) أي : لأجلهم وفي شأنهم ( لو كان خيرا ) أي :

الإيمان ( ما سبقونا إليه ) وهم فقراء وموال ورعاة ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا

إفك قديم ) .

( ومن قبله ) : ومن قبل القرآن ( كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق )

لكتاب موسى ( لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ) .

( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) . مضى تفسيره في حم السجدة ( 1 ) . فلا

خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . ( أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون )

( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ) :

ومدة حمله وفطامه ( ثلاثون شهرا ) . ذلك كله بيان لما تكابده الأم في تربية الولد ، مبالغة

في التوصية بها ( حتى إذا بلغ أشده ) : استحكم قوته وعقله ( وبلغ أربعين سنة قال

رب أوزعني ) : ألهمني ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل

صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك ) عما يشغل عنك ( وإني من

المسلمين ) : المخلصين لك .

ورد ما ملخصه : ( إنها نزلت في الحسين عليه السلام ، وإن كراهة أمه بالحمل والوضع من جهة

أنها أخبرت بأنه سيقتل ، فلما بشرت بأن في ذريته الإمامة والولاية والوصية رضيت ،

قال : فلو لا أنه قال : ) أصلح لي في ذريتي ( لكانت ذريته كلهم أئمة . قال : ولم يولد لستة

أشهر إلا عيسى بن مريم والحسين عليهما السلام ) ( 2 ) .


( 1 ) - ذيل الآية : 30 .

( 2 ) - الكافي 1 : 464 ، الحديث : 3 و 4 ، علل الشرائع 1 : 206 ، الباب : 156 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب

الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) .

( والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج ) : أن أبعث ( وقد خلت القرون

من قبلي ) فلم يرجع أحد منهم ( وهما يستغيثان الله ويلك امن إن وعد الله حق فيقول

ما هذا إلا أساطير الأولين ) : أباطيلهم التي كتبوها . القمي : نزلت في عبد الرحمان بن

أبي بكر ( 1 ) .

( أولئك الذين حق عليهم القول ) بأنهم أهل النار ( في أمم قد خلت من قبلهم من

الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) .

( ولكل ) من الفريقين ( درجات مما عملوا ) : مراتب في الخير والشر . والدرجة

غالبة في المثوبة ، وهاهنا جاءت على التغليب . ( وليوفيهم أعمالهم ) : جزاؤها ( وهم لا

يظلمون ) بنقص ثواب ، وزيادة عقاب .

( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم ) : لذائذكم ( في حياتكم

الدنيا ) باستيفائها ( واستمتعتم بها ) فما بقي لكم منها شئ . القمي : أكلتم وشربتم ولبستم

وركبتم ، وهي في بني فلان ( 2 ) .

ورد : ( أتي النبي صلى الله عليه وآله بخبيص ( 3 ) فأبى أن يأكله ، فقيل : أتحرمه ؟ فقال : لا ، ولكني أكره

أن تتوق ( 4 ) إليه نفسي ، ثم تلا هذه الآية ) ( 5 ) . ( فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم

تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) .


( 1 ) - القمي 2 : 297 .

( 2 ) - القمي 2 : 298 .

( 3 ) - الخبيص : طعام معمول من التمر والزبيب والسمن . مجمع البحرين 4 : 167 ( خبص ) .

( 4 ) - تاقت نفسي إلى الشئ ، أي : اشتاقت . الصحاح 4 : 1453 ( توق ) .

( 5 ) - المحاسن 2 : 409 ، الباب : 15 ، الحديث : 133 ، عن أبي عبد الله ، عن آبائه عليهم السلام .


( واذكر أخا عاد ) يعني هودا ( إذ أنذر قومه بالأحقاف ) . قيل : هي جمع ( حقف ) ،

وهي رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء ( 1 ) . القمي : الأحقاف من بلاد عاد ، من الشقوق ( 2 ) إلى

الأجفر ( 3 ) ، وهي أربعة منازل ( 4 ) . ( وقد خلت النذر ) : الرسل ( من بين يديه ومن خلفه ) :

قبل هود وبعده ( ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) .

( قالوا أجئتنا لتأفكنا ) : لتصرفنا ( عن الهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من

الصادقين ) .

( قال إنما العلم عند الله ) : لا علم لي بوقت عذابكم ، ولا مدخل لي فيه فأستعجل

به ، وما لي إلا البلاغ ( وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ) .

( فلما رأوه عارضا ) : سحابا عرض في أفق السماء ( مستقبل أوديتهم قالوا هذا

عارض ممطرنا بل هو ) أي : قال هود : بل هو ( ما استعجلتم به ) من العذاب ( ريح فيها

عذاب أليم ) .

( تدمر ) : تهلك ( كل شئ ) من نفوسكم وأموالكم ( بأمر ربها فأصبحوا ) أي :

فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا ( لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم

المجرمين ) .

روي : ( إن هودا لما أحس بالريح ، اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة ، وجاءت الريح

فأمالت الأحقاف على الكفرة ، وكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، ثم كشفت عنهم


( 1 ) - الكشاف 3 : 523 ، البيضاوي 5 : 74 .

( 2 ) - شقوق : جمع شق أو شق ، وهو الناحية : منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة وبعدها تلقاء مكة بطان وقبر

العبادي ، وهو لبني سلامة من بني أسد . والشقوق أيضا : من مياه ضبة بأرض اليمامة . معجم البلدان 3 : 356 .

( 3 ) - الأجفر : جمع جفر ، وهو البئر الواسعة لم تطو ، موضع بين فيد والخزيمية ، بينه وبين فيد ستة وثلاثون فرسخا

نحو مكة . وقال الزمخشري : الأجفر ماء لبني يربوع ، انتزعته منهم بنو جذيمة . معجم البلدان 1 : 102 .

( 4 ) - القمي 2 : 298 .


واحتملتهم وقذفتهم في البحر ) ( 1 ) .

( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) ( إن ) نافية أو شرطية محذوفة الجواب ،

أي : كان بغيكم أكثر . ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ) ليعرفوا تلك النعم ، ويستدلوا

بها على منعمها ، ويواظبوا على شكرها . ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا

أفئدتهم من شئ ) : من الإغناء ( إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به

يستهزءون ) من العذاب . القمي : أي : قد أعطيناهم فكفروا ، فنزل بهم العذاب ، فاحذروا أن

لا ينزل بكم ما نزل بهم ( 2 ) .

( ولقد أهلكنا ما حولكم ) يا أهل مكة ( من القرى ) كحجر ثمود ، وقرى قوم لوط

( وصرفنا الآيات ) بتكريرها ( لعلهم يرجعون ) عن كفرهم .

( فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ) : فهلا منعتهم من الهلاك

آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله ، حيث قالوا : ) هؤلاء شفعاؤنا عند الله ( 1 ) . ( بل ضلوا

عنهم ) : غابوا عن نصرهم ( وذلك إفكهم ) : صرفهم عن الحق ( وما كانوا يفترون ) .

( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) والنفر دون العشرة .

ورد : ( إنهم كانوا تسعة ، واحد من جن نصيبين والثمان من بني عمرو بن عامر وذكر

أسماءهم ) ( 4 ) . ( يستمعون القران فلما حضروه قالوا أنصتوا ) : قال بعضهم لبعض : اسكتوا

لنسمعه . ( فلما قضي ) : فرغ من قراءته ( ولوا إلى قومهم منذرين ) إياهم .

التالي ص 101/176 — الأصلية 1 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...