الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 113 من 176

صفحة
بقلوبهم ولا بألسنتهم * ( أولئك حزب الشيطان ) * : جنوده وأتباعه * ( ألا إن حزب الشيطان

هم الخاسرون ) * لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد ، وعرضوها للعذاب المخلد .

القمي : نزلت في الثاني ، مر به رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس عند يهودي يكتب خبر

رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله : ) ألم تر إلى الذين تولوا ( الآيات . فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فقال له


( 1 ) - اليمين الغموس : التي تغمس صاحبها في الإثم . والأمر الغموس : الشديد ، الصحاح 3 : 956 ( غمس ) .

( 2 ) - ذيل الآية : 20 من سورة فصلت .


رسول الله : رأيتك تكتب عن اليهود ، وقد نهى الله عن ذلك . قال : كتبت عنه ما في التوراة

من صفتك ، وأقبل يقرأ ذلك على رسول الله وهو غضبان . فقال رجل من الأنصار : ويلك ،

أما ترى غضب النبي عليك ؟ فقال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، إني إنما كتبت

ذلك لما وجدت فيه من خبرك . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا فلان لو أن موسى بن عمران

فيهم قائما ثم أتيته رغبة عما جئت به لكنت كافرا بما جئت به ، وهو قوله : ) اتخذوا أيمانهم

جنة ( أي : حجابا بينهم وبين الكفار ، وإيمانهم إقرار باللسان ، خوفا من السيف ورفع

الجزية 1 .

* ( إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين ) * : في جملة من هو أذل خلق

الله .

* ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) * .

روي : ( إن المسلمين قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى : ليفتحن الله علينا

الروم وفارس . فقال المنافقون : أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتم عليها ؟ !

فأنزل الله هذه الآية ) 2 .

* ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا

آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) * : ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم

* ( أولئك ) * أي : الذين لم يوادوهم * ( كتب في قلوبهم الإيمان ) * : أثبته فيها * ( وأيدهم

بروح منه ) * : من عنده . قال : ( هو الإيمان ) 3 .

وورد : ( ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه : أذن ينفث فيها الوسواس الخناس ،


( 1 ) - القمي 2 : 357 .

( 2 ) - التفسير الكبير 29 : 276 ، الجامع لأحكام القرآن ( للقرطبي ) 17 : 306 ، عن مقاتل مع تفاوت يسير .

( 3 ) - الكافي 2 : 15 ، الحديث : 1 ، عن أبي جعفر عليه السلام ، والحديث : 5 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


وأذن ينفث فيها الملك . فيؤيد الله المؤمن بالملك ، فذلك قوله : ) وأيدهم بروح منه ) 1 .

وفي رواية : ( إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح منه ، تحضره في كل وقت يحسن

فيه ويتقي ، وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي ، فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه ،

وتسيخ 2 في الثرى عند إساءته ، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاح أنفسكم ، تزدادوا يقينا

وتربحوا نفيسا ثمينا ، رحم الله امرء أهم بخير فعمله ، أو هم بشر فارتدع عنه . ثم قال : نحن

نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له ) 3 .

وورد في قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان . قال : هو قوله :

) وأيدهم بروح منه ( ذاك الذي يفارقه ) 4 .

* ( ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ) *

بطاعتهم * ( ورضوا عنه ) * بقضائه ، وبما وعدهم من الثواب . * ( أولئك حزب الله ) * : جنده

وأنصار دينه * ( ألا إن حزب الله هم المفلحون ) * : الفائزون خير الدارين .


( 1 ) - الكافي 2 : 267 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 2 ) - قوله : ( تهتز سرورا ) كناية عن تمكنها في الإنسان وألفتها له وأنسها به . وقوله : ( تسيخ في الثرى ) كناية عن

انفعالها وسقوطها من الإنسان بعوده إلى ما كان عليه من الحال .

( 3 ) - الكافي 2 : 268 ، الحديث : 1 ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام .

( 4 ) - المصدر : 280 ، الحديث : 11 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


سورة الحشر

[ مدنية ، وهي أربع وعشرون آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ) * .

* ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ) * : ( لأول

جلائهم إلى الشام ، وآخر حشرهم إليه يكون في الرجعة ) . كما ورد 2 .

والحشر : إخراج جمع من مكان إلى آخر .

ورد : إن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم : ( اخرجوا . قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر ) 3 .

والقمي ما ملخصه : إنه كان بالمدينة ثلاثة أبطن من اليهود : بني النضير وقريظة

وقينقاع ، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد ومدة ، فنقض بنو النضير عهدهم وهموا

بقتله ، فأخبرهم : إن الله قد أخبرني بما هممتم به من الغدر ، فإما أن تخرجوا من بلدنا ، وإما

أن تأذنوا بحرب ، فقالوا : نخرج من بلادك . فبعث إليهم عبد الله بن أبي 4 ألا تخرجوا


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 258 ، عن ابن عباس والزهري والجبائي ، جامع البيان 28 : 20 .

( 3 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 8 25 .

( 4 ) - عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث ، المشهور بابن سلول ، وسلول جدته لأبيه : رأس المنافقين في الإسلام .


وتقيموا وتنابذوا محمدا الحرب ، فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي ، فإن خرجتم خرجت

معكم ، وإن قاتلتم قاتلت معكم .

فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيئوا للقتال ، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا لا نخرج ،

فاصنع ما أنت صانع . فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكبر ، وكبر أصحابه ، وقال لأمير

المؤمنين عليه السلام : تقدم إلى بني النضير . فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الراية وتقدم . وجاء رسول

الله صلى الله عليه وآله وأحاط بحصنهم . وغدر بهم عبد الله بن أبي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ظهر بمقدم

بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه ، وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن خربه ،

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقطع نخلهم ، فجزعوا من ذلك وقالوا : يا محمد إن الله يأمرك

بالفساد ؟ إن كان لك هذا فخذه ، وإن كان لنا فلا تقطعه . فلما كان بعد ذلك قالوا : يا محمد

نخرج من بلادك فأعطنا مالنا . فقال : لا ، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل ، فلم يقبلوا

ذلك . فبقوا أياما ، ثم قالوا : نخرج ولنا ما حملت الإبل ، فقال : لا ، ولكن تخرجون ولا

يحمل أحد منكم شيئا ، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه . فخرجوا على ذلك . ووقع منهم

قوم إلى فدك ووادى القرى ، وخرج قوم منهم إلى الشام . فأنزل الله فيهم : ) هو الذي أخرج

كفروا ( الآيات ( 1 ) .

* ( ما ظننتم أن يخرجوا ) * لشدة بأسهم ومنعتهم * ( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من

الله ) * أي : إن حصونهم تمنعهم من بأس الله * ( فأتاهم الله ) * أي : عذابه ، وهو الرعب

والاضطرار إلى الجلاء . قال : ( يعني أرسل عليهم عذابا ) 2 . * ( من حيث لم يحتسبوا ) * لقوة

وثوقهم * ( وقذف في قلوبهم الرعب ) * : الخوف الذي يرعبها ، أي : يملأها * ( يخربون


من أهل المدينة . كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم . وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر ، تقية . وكان كلما حلت

بالمسلمين نازلة شمت بهم ، وكلما سمع بسيئة نشرها . وله في ذلك أخبار ، توفي سنة : 9 ه‍ . الأعلام

( للزركلي ) 4 : 65 .

1 - القمي 2 : 359 - 360 .
( 2 ) - التوحيد : 266 ، الباب : 36 ، قطعة من حديث : 5 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .


بيوتهم بأيديهم ) * ضنا 1 بها على المسلمين ، وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها * ( وأيدي

المؤمنين ) * فإنهم أيضا كانوا يخربون ظواهرها ، نكاية وتوسيعا لمجال القتال .

* ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) * : فاتعظوا بحالهم ، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله .

* ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ) * : الخروج من أوطانهم * ( لعذبهم في الدنيا ) *

بالقتل والسبي ، كما فعل ببني قريظة * ( ولهم في الآخرة عذاب النار ) * يعني إن نجوا من

عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة .

* ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ) * .

* ( ما قطعتم من لينة ) * : نخلة كريمة ، قال : ( يعني العجوة ، وهي أم التمر ، وهي التي

أنزلها الله من الجنة لآدم ) 2 . * ( أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ) * : فبأمره .

القمي : نزلت فيما عاتبوه من قطع النخل 3 . * ( وليخزي الفاسقين ) * : وأذن لكم في القطع ،

ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه .

* ( وما أفاء الله على رسوله ) * أي : رده عليه ( فإن جميع ما بين السماء والأرض لله

عز وجل ولرسوله ، ولأتباعهم من المؤمنين المتصفين بما وصفهم الله به في قوله : ) التائبون

العابدون ( الآية 4 . فما كان منه في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار فهو حقهم ،

أفاء الله عليهم ورده إليهم ) . كذا ورد 5 .

* ( منهم ) * : من بني النضير * ( فما أوجفتم عليه ) * : فما أجريتم على تحصيله ، من

الوجيف : وهو سرعة السير . * ( من خيل ولا ركاب ) * : ما يركب من الإبل ، غلب فيه .


( 1 ) - ضننت بالشئ ضنا وضنانة : إذا بخلت به ، الصحاح 6 : 2156 ( ضنن ) .

( 2 ) - الكافي 6 : 347 ، الحديث : 10 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، وفيه : ( وهي التي أنزلها الله عز وجل لآدم من الجنة ) .

( 3 ) - القمي 2 : 360 .

( 4 ) - التوبة ( 9 ) : 112 .

( 5 ) - الكافي 5 : 16 ، قطعة من حديث : 1 ، التهذيب 6 : 130 ، قطعة من حديث : 224 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


قيل : وذلك لأن قراهم كانت على ميلين من المدينة ، فمشوا إليها رجالا غير رسول

الله صلى الله عليه وآله فإنه ركب جملا أو حمارا ، ولم يجر مزيد قتال ، ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئا

إلا رجلين أو ثلاثة ، كانت بهم حاجة 1 .

* ( ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ) * بقذف الرعب في قلوبهم * ( والله على

كل شئ قدير ) * فيفعل ما يريد ، تارة بالوسائط الظاهرة ، وتارة بغيرها .

* ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) * . بيان للأول ، ولذلك لم يعطف عليه .

* ( فلله وللرسول ولذي القربى ) * .

قال : ( نحن والله الذين عنى الله بذي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وسلم ) 2 .

* ( واليتامى والمساكين وابن السبيل ) * قال : ( منا خاصة ، ولم يجعل لنا سهما في

الصدقة أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس ) 3 .

* ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) * : كيلا يكون الفئ شيئا يتداوله الأغنياء

ويدور بينهم ، كما كان في الجاهلية * ( وما آتاكم الرسول ) * من الأمر * ( فخذوه ) * : فتمسكوا

به * ( وما نهاكم عنه ) * : عن إتيانه * ( فانتهوا ) * عنه * ( واتقوا الله ) * في مخالفة الرسول * ( إن

الله شديد العقاب ) * لمن خالف .

وورد : ( واتقوا الله ( في ظلم آل محمد صلى الله عليه وآله ، ) إن الله شديد العقاب ( لمن ظلمهم ) 4 .

قال : ( إن الله أدب رسوله حتى قومه على ما أراد ، ثم فوض إليه . فقال عز ذكره : ) ما

آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( فما فوض الله إلى رسوله فقد فوضه إلينا ) ( 5 ) .


( 1 ) - البيضاوي 5 : 125 .

( 2 ) - الكافي 1 : 539 ، الحديث : 1 ، التهذيب 4 : 126 ، الحديث : : 362 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .

( 3 ) - الكافي 1 : 539 ، الحديث : 1 ، التهذيب 4 : 126 ، الحديث : : 362 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .

( 4 ) - الكافي 8 : 63 ، ذيل الحديث : 21 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .

( 5 ) - الكافي 1 : 268 ، الحديث : 9 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


وفي رواية : ( فوض إلى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم ، ثم تلا هذه الآية ) 1 .

* ( للفقراء المهاجرين ) * الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، ومن دار الحرب إلى دار

الإسلام . قيل : بدل من ) لذي القربى ( وما عطف عليه ، ومن أعطى أغنياء ذوي القربى خص

الإبدال بما بعده ، والفئ بفئ بني النضير 2 . * ( الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) * :

أخرجوهم كفار مكة وأخذوا أموالهم * ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله

ورسوله ) * بأنفسهم وأموالهم * ( أولئك هم الصادقون ) * في إيمانهم .

* ( والذين تبوؤا الدار والإيمان ) * . عطف على المهاجرين ، أو استئناف ، خبره :

يحبون ، ويؤيد الثاني : أنه لم يقسم لهم الفئ ، فإن المراد بهم الأنصار ، فإنهم لزا المدينة

والإيمان وتمكنوا فيهما ، أو لزموا دار الهجرة ودار الإيمان . فقد ورد : ( الإيمان بعضه من

بعض وهو دار ، وكذلك الإسلام دار والكفر دار ) 3 .

* ( من قبلهم ) * : من قبل هجرة المهاجرين * ( يحبون من هاجر إليهم ) * ولا يثقل عليهم

* ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) * : مما أعطي المهاجرون من الفئ وغيره

* ( ويؤثرون على أنفسهم ) * : ويقدمون على أنفسهم * ( ولو كان بهم خصاصة ) * : فقر

وحاجة * ( ومن يوق شح نفسه ) * حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال * ( فأولئك

هم المفلحون ) * : الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل .

ورد : ( إنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا إليه الجوع ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بيوت

أزواجه ، فقلن : ما عندنا إلا الماء . فقال : من لهذا الرجل الليلة ؟ فقال علي بن

أبي طالب عليه السلام : أنا له يا رسول الله . وأتى فاطمة عليها السلام فقال لها : ما عندك يا ابنة رسول الله ؟

فقالت : ما عندنا إلا قوت العشية ، لكنا نؤثر ضيفنا . فقال : يا ابنة محمد ، نومي الصبية


( 1 ) - الكافي 1 : 266 ، الحديث عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله عليهما السلام .

( 2 ) - البيضاوي 5 : 126 .

( 3 ) - الكافي 2 : 27 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


وأطفي المصباح . فلما أصبح علي عليه السلام غدا على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأخبره الخبر ، فلم يبرح

حتى أنزل الله عز وجل : ) ويؤثرون على أنفسهم ( الآية ) 1 .

* ( والذين جاءوا من بعدهم ) * : من بعد المهاجرين والأنصار ، يعم سائر المؤمنين .

* ( يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا ) * أي : في الدين * ( الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في

قلوبنا غلا ) * : حقدا * ( للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) * فحقيق بأن تجيب دعاءنا .

* ( ألم تر إلى الذين نافقوا ) * . القمي : نزلت في ابن أبي وأصحابه 2 . * ( يقولون

لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ) * يعني بني النضير * ( لئن أخرجتم ) * من دياركم

* ( لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ) * : في قتالكم أو خذلانكم * ( أحدا أبدا ) * من رسول الله

والمسلمين * ( وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ) * لعلمه بأنهم لا يفعلون

ذلك .

* ( لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ) * وكان كذلك ، فإن ابن

أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ، ثم أخلفوهم كما مر 3 . * ( ولئن نصروهم ) * على

الفرض والتقدير * ( ليولن الأدبار ) * انهزاما * ( ثم لا ينصرون ) * .

* ( لأنتم أشد رهبة ) * : مرهوبية * ( في صدورهم ) * فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من

المؤمنين * ( من الله ) * على ما يظهرونه نفاقا . * ( ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) * : لا يعلمون

عظمة الله ، حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى .

* ( لا يقاتلونكم ) * اليهود والمنافقون * ( جميعا ) * : مجتمعين * ( إلا في قرى محصنة ) *

بالدروب 4 والخنادق * ( أو من وراء جدر ) * لفرط رهبتهم * ( بأسهم بينهم شديد ) * أي :


( 1 ) - الأمالي ( للشيخ الطوسي ) 1 : 188 ، عن أبي هريرة .

( 2 ) - القمي 2 : 360 .

( 3 ) - ذيل الآية : 2 من نفس السورة .

( 4 ) - الدرب : المدخل بين جبلين ، والجمع : الدروب ، مثل فلس وفلوس . وليس أصله عربيا ، والعرب تستعمله في

معنى الباب فيقال لباب السكة : درب ، وللمدخل الضيق : درب ، لأنه كالباب لما يفضي إليه . المصباح المنير 1 :

231 ( درب ) .


وليس ذلك لضعفهم وجبنهم ، فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا ، بل لقذف الله

الرعب في قلوبهم ، ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله .

* ( تحسبهم جميعا ) * : مجتمعين متفقين * ( وقلوبهم شتى ) * : متفرقة لافتراق عقائدهم

واختلاف مقاصدهم * ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) * ما فيه صلاحهم ، وأن تشتت القلوب

يوهن قواهم .

* ( كمثل الذين من قبلهم ) * القمي : يعني بني قينقاع 1 . * ( قريبا ) * : في زمان قريب

* ( ذاقوا وبال أمرهم ) * : سوء عاقبة كفرهم في الدنيا * ( ولهم عذاب أليم ) * في الآخرة .

* ( كمثل الشيطان ) * أي : مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال ثم نكوصهم ، كمثل

الشيطان * ( إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب

العالمين ) * .

* ( فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ) * .

* ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) * : ليوم القيامة ، سماه به

لدنوه ، أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده ، وتنكيره للتعظيم . * ( واتقوا الله إن الله خبير بما

تعملون ) * .

* ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله ) * : نسوا حقه * ( فأنساهم أنفسهم ) * : فجعلهم ناسين

لها ، حتى لم يسمعوا ما ينفعها ، ولم يفعلوا ما يخلصها * ( أولئك هم الفاسقون ) * .

* ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) * .

ورد : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله تلا هذه الآية ، فقال : أصحاب الجنة من أطاعني ، وسلم

لعلي بن أبي طالب بعدي ، وأقر بولايته . وأصحاب النار من سخط الولاية ، ونقض العهد ،


( 1 ) - القمي 2 : 360 .


وقاتله بعدي ) 1 .

* ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) * : متشققا

منها ، وهو تمثيل فيه توبيخ للإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن ، لقساوة قلبه وقلة

تدبره . * ( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) * .

* ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ) * . قال : ( الغيب ما لم يكن ،

والشهادة ما كان ) 2 . * ( هو الرحمن الرحيم ) * .

* ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ) * : البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانا

* ( السلام ) * : ذو السلامة من كل نقص وآفة * ( المؤمن ) * : واهب الأمن . القمي : يؤمن أولياءه

من العذاب 3 . * ( المهيمن ) * : الرقيب الحافظ لكل شئ * ( العزيز ) * : الذي ينفذ مشيئته في كل

أحد ولا ينفذ فيه مشيئة أحد * ( الجبار ) * : الذي يصلح أحوال خلقه * ( المتكبر ) ) * : الذي تكبر

عن كل ما يوجب حاجة ونقصانا * ( سبحان الله عما يشركون ) * .

سئل عن تفسير سبحان الله ، فقال : ( هو تعظيم جلال الله وتنزيهه عما قال فيه كل

مشرك ، فإذا قالها العبد ، صلى عليه كل ملك ) 4 .

* ( هو الله الخالق البارئ المصور ) * . كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى

تقدير أولا ، وإلى الإيجاد ثانيا ، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا ، فالله سبحانه هو الخالق

البارئ المصور بالاعتبارات الثلاثة . * ( له الأسماء الحسنى ) * الدالة على محاسن المعاني .

ورد : ( إن الله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل


( 1 ) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 280 ، الباب : 28 ، الحديث : 22 ، عن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن آبائه ،

عن أمير المؤمنين عليهم السلام .

( 2 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 266 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - القمي 2 : 360 .

( 4 ) - التوحيد : 312 ، الباب : 45 ، الحديث : 1 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .


الجنة ، ثم ذكر تلك الأسماء ) 1 .

قيل : إحصاؤها هو الإحاطة بها والوقوف على معانيها ، وليس معنى الإحصاء عدها 2 .

أقول : وللإحصاء معان أخر 3 ليس ها هنا محل ذكرها .
* ( يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) * .


( 1 ) - التوحيد : 194 ، الباب : 29 ، الحديث : 8 ، عن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ، عن

رسول الله صلوات الله عليهم .

( 2 ) - المصدر : 195 ، الباب : 29 ، ذيل الحديث : 9 ، عن الصدوق عليه الرحمة .

( 3 ) - وقد فصل البحث في كتابه علم اليقين 1 : 102 .


سورة الممتحنة

[ مدنية ، وهي ثلاث عشرة آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) * .

القمي ما ملخصه : أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة 2 ، حيث كتب إلى قريش بمكة ،

أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يريد غزوهم . فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره

بذلك ، فبعث أمير المؤمنين عليه السلام ، فأخذ الكتاب من رسوله في بعض الطريق وجاء به إلى

رسول الله صلى الله عليه وآله . فقال : يا حاطب ما هذا ؟ فقال : والله يا رسول الله ما نافقت ولا غيرت ولا

بدلت ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله حقا ، ولكن أهلي وعيالي كتبوا إلي

بحسن صنيع قريش إليهم ، فأحببت أن أجازي قريشا بحسن معاشرتهم . فأنزل الله : ) يا


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - حاطب بن أبي بلتعة اللخمي : رجل من أهل اليمن ، وكان حليفا للزبير ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله

وشهد بدرا ، وكان بنوه وأخوه بمكة . ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يغزو مكة عام الفتح ، كتب حاطب إلى كبار

قريش يعلمهم بما يريده صلى الله عليه وآله من غزوهم ، فأعلم الله رسوله . مات حاطب في سنة : 30 في خلافة عثمان وله

خمس وستون سنة . أسد الغابة 1 : 360 ، الإصابة 1 : 314 .


أيها الذين آمنوا ( الآية 1 .

* ( تلقون إليهم بالمودة ) * : تفضون إليهم المودة بالمكاتبة .

* ( وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم ) * أي : من مكة * ( أن

تؤمنوا بالله ربكم ) * : بسبب إيمانكم * ( إن كنتم خرجتم ) * من أوطانكم * ( جهادا في سبيلي

وابتغاء مرضاتي ) * . جواب الشرط محذوف ، دل عليه ) لا تتخذوا ( . * ( تسرون إليهم

بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) * أي : منكم * ( ومن يفعله منكم فقد ضل سواء

السبيل ) * .

* ( إن يثقفوكم ) * : يظفروا بكم * ( يكونوا لكم أعداء ) * ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم

* ( ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ) * كالقتل والشتم * ( وودوا لو تكفرون ) * :

وتمنوا ارتدادكم . وفي مجيئه وحده بلفظ الماضي إشعار بأنهم ودوا ذلك قبل كل شئ وأن

ودهم حاصل وإن لم يثقفوكم .

* ( لن تنفعكم أرحامكم ) * : قراباتكم * ( ولا أولادكم ) * الذين توالون المشركين لأجلهم

* ( يوم القيامة يفصل بينكم ) * : يفرق بينكم بما عراكم من الهول ، فيفر بعضكم من بعض ،

فما لكم ترفضون حق الله لمن يفر عنكم غدا .

* ( والله بما تعملون بصير ) * .

* ( قد كانت لكم أسوة حسنة ) * : قدوة * ( في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا

برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ) * قال : ( تبرأنا منكم ) 2 .

قال : ( الكفر في هذه الآية : البراءة ) 3 .

* ( وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) * فتنقلب


( 1 ) - القمي 2 : 361 .

( 2 ) - الكافي 2 : 390 ، ذيل الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، التوحيد : 260 ، الباب : 36 ، قطعة من حديث : 5 ،

عن أمير المؤمنين عليه السلام .

( 3 ) - التوحيد : 260 ، الباب : 36 ، قطعة من حديث : 5 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .


العداوة والبغضاء ألفة ومحبة * ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) * . استثناء من قوله :

) أسوة حسنة ( ، لأنه ليس مما يؤتسى به ، وكان ذلك لموعدة وعدها إياه ، كما سبق في سورة

التوبة 1 .

* ( وما أملك لك من الله من شئ ) * من تمام قوله المستثنى ، ولا يلزم من استثناء

المجموع استثناء جميع أجزائه . * ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) *

متصل بما قبل الاستثناء .

* ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) * بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله ، أو

تشمتهم بنا .

ورد : ( ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ، ولا كافر إلا غنيا ، حتى جاء إبراهيم عليه السلام .

فقال : ) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ( فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة ، وفي هؤلاء

أموالا وحاجة ) 2 .

* ( واغفر لنا ) * ما فرط منا * ( ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) * .

* ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ) * . تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم ،

ولذلك صدر بالقسم وأكد بما بعده . * ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) * فأشعر بأن تركه

ينبئ عن سوء العقيدة . * ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) * .

* ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير ) * على ذلك

* ( والله غفور رحيم ) * لما فرط منكم من موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل

الرحم .

( لما نزلت هذه الآية أظهر المسلمون العداوة للكفار ، ولما أسلم أهل مكة وأنجز الله

وعده بقوله : ) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ( خالطوهم


( 1 ) - الأصفى 1 : 494 ، ذيل الآية : 114 .

( 2 ) - الكافي 2 : 262 ، الحديث : 10 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


وناكحوهم ، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ) . كذا ورد 1 .

* ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن

تبروهم وتقسطوا إليهم تقضوا إليهم ) * بالعدل * ( إن الله يحب المقسطين ) * : العادلين .

روي : ( إن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا

فلم تقبلها ، ولم تأذن لها بالدخول ، فنزلت ) 2 .

* ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا

على إخراجكم ) * كمشركي مكة ، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين ، وبعضهم أعانوا

المخرجين . * ( أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) * لوضعهم الولاية غير

موضعها .

* ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ) * : فاختبروهن

* ( الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات ) * بحلفهن وظهور الأمارات * ( فلا

ترجعوهن إلى الكفار ) * : إلى أزواجهن الكفرة * ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) * .

القمي : إذا لحقت امرأة من المشركين بالمسلمين ، تمتحن بأن تحلف بالله أنه لم

يحملها على اللحوق بالمسلمين بغض لزوجها الكافر ولا حب لأحد من المسلمين ، فإنما

حملها على ذلك الإسلام ، فإذا حلفت على ذلك قبل إسلامها 3 .

* ( وآتوهم ما أنفقوا ) * القمي : يعني ترد المسلمة على زوجها الكافر صداقها ، ثم

يتزوجها المسلم 4 . * ( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ) * فإن الإسلام حال بينهن وبين


( 1 ) - القمي 2 : 362 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - الدر المنثور 8 : 130 ، تفسير القرآن العظيم ( لابن كثير ) 4 : 373 ، تفسير القرطبي 18 : 19 ، عن عبد الله بن

الزبير .

( 3 ) - القمي 2 : 362 .

( 4 ) - القمي 2 : 363 .


أزواجهن الكفار * ( إذا آتيتموهن أجورهن ) * . فيه إشعار بأن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام

المهر . * ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) * : بما يعتصم به الكافرات من عقد ونسب .

قال : ( يقول : من كانت عنده امرأة كافرة - يعني على غير ملة الإسلام وهو على ملة

الإسلام - فليعرض عليها الإسلام ، فإن قبلت فهي امرأته وإلا فهي بريئة منه ، فنهاه الله أن

يمسك بعصمتها ) 1 .

* ( واسألوا ما أنفقتم ) * من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار وليسألوا ما أنفقوا ) * من

مهور أزواجهم المهاجرات * ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ) * .

قال : ( وإن فاتكم شئ من أزواجكم ( فلحقن بالكفار من أهل عهدكم فاسألوهم

صداقها ، وإن لحقن بكم من نسائهم شئ فأعطوهم صداقها ) ذلكم حكم الله يحكم

بينكم ) 2 .

* ( وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار ) * أي : سبقكم وانفلت منكم إليهم

* ( فعاقبتم ) * : فتزوجتم بأخرى عقيبها * ( فأتوا ) * أيها المؤمنون * ( الذين ذهبت أزواجهم

مثل ما أنفقوا ) * .

القمي : يقول : وإن ألحقن بالكفار الذين لا عهد بينكم وبينهم ، فأصبتم غنيمة فأتوا 3 .

أقول : كأنه جعل معنى ) فعاقبتم ( : فأصبتم من الكفار عقبى ، وهي الغنيمة . يعني فأتوا
بدل الفائت من الغنيمة .

ورد : سئل : ما معنى العقوبة ها هنا ؟ قال : ( إن الذي ذهبت امرأته فعاقب على امرأة

أخرى غيرها . يعني تزوجها ، فإذا هو تزوج امرأة أخرى غيرها ، فعلى الإمام أن يعطيه مهر

امرأته الذاهبة . فسئل : كيف صار المؤمنون يردون على زوجها المهر بغير فعل منهم في

ذهابها ، وعلى المؤمنين أن يردوا على زوجها ما أنفق عليها مما يصيب المؤمنين ؟ ! قال : يرد


( 1 ) - القمي 2 : 363 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - القمي 2 : 363 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - المصدر .


الإمام عليه أصابوا من الكفار أو لم يصيبوا ، لأن على الإمام أن يجيز حاجته من تحت يده ،

وإن حضرت القسمة فله أن يسد كل نائبة تنوبه قبل القسمة ، وإن بقي بعد ذلك شئ قسمه

بينهم ، وإن لم يبق شئ فلا شئ لهم ) 1 .

وروي : ( لما نزلت الآية المتقدمة أدى المؤمنون ما أمروا به من نفقات المشركين على

نسائهم ، وأبى المشركون أن يردوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين ،

فنزلت ) 2 .

* ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) * .

* ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) * . قال : ( لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة

بايع الرجال ، ثم جاءت النساء يبايعنه . فأنزل الله : ) يا أيها النبي ( ، الآية ) 3 .

* ( على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ) * بالوأد

والإسقاط * ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) * .

قيل : كانت المرأة تلتقط المولود ، فتقول لزوجها : هذا ولدي منك . كنى بالبهتان

المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا ، لأن بطنها الذي تحمله فيه

بين اليدين ، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين 4 .

* ( ولا يعصينك في معروف ) * : في حسنة تأمرهن بها .

قال : ( هو ما فرض الله عليهن من الصلاة والزكاة ، وما أمرهن به من خير ) 5 .

وفي رواية : ( سألنه : ما ذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك فيه ؟ قال : لا تلطمن


( 1 ) - علل الشرائع 2 : 517 ، الباب : 289 ، الحديث : 6 ، عن أبي عبد الله وعن أبي جعفر عليهما السلام ، وفي التهذيب 6 :

313 ، الحديث : 865 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، مع تفاوت يسير .

( 2 ) - الكشاف 4 : 94 .

( 3 ) - الكافي 5 : 527 ، الحديث : 5 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - جوامع الجامع : 491 ، الكشاف 4 : 94 .

( 5 ) - القمي 2 : 364 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


خدا ولا تخمشن وجها ولا تنتفن شعرا ولا تشققن جيبا ولا تسودن ثوبا ولا تدعين

بويل ) 1 .

وفي رواية : ( ولا تقمن على قبر ) 2 .

وفي أخرى : ( ولا تنشرن شعرا ) 3 .

* ( فبايعهن ) * بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء .

قال : ( جمعهن حوله ثم دعا بتور برام 4 فصب فيه ماء نضوحا ، ثم غمس يده فيه ، ثم

قال : اسمعن يا هؤلاء ! أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ، ولا تسرقن ولا تزنين ولا

تقتلن أولادكن ، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ، ولا تعصين بعولتكن في

معروف ، أقررتن ؟ قلن : نعم ! فأخرج يده من التور ، ثم قال لهن : اغمسن أيديكن ، ففعلن ،

فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله الطاهرة أطيب من أن يمس بها كف أنثى ليست له بمحرم ) 5 .

* ( واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) * .

* ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) * . القمي : معطوف على قوله :

( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) 6 .

وروي : ( إنها نزلت في بعض فقراء المسلمين ، كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من

ثمارهم ) 7 .


( 1 ) - الكافي 5 : 527 ، الحديث : 5 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله .

( 2 ) - القمي 2 : 364 ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله .

( 3 ) - الكافي 5 : 527 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - التور : إناء يشرب فيه ( الصحاح 2 : 602 - تور ) . وبرام - يروى بكسر أوله وفتحه والفتح أكثر - : جبل في بلاد

بني سليم عند الحرة من ناحية البقيع ، وقيل : هو عشرين فرسخا من المدينة . معجم البلدان 1 : 366 .

( 5 ) - الكافي 5 : 526 ، الحديث : 2 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 6 ) - القمي 2 : 364 .

( 7 ) - الكشاف 4 : 95 ، البيضاوي 5 : 130 .


* ( قد يئسوا من الآخرة ) * لكفرهم بها ، أو لعلمهم بأنه لاحظ لهم فيها ، لعنادهم

الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالمعجزات . * ( كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) *

أن يبعثوا ، أو يثابوا ، أو ينالهم خير منهم ، أو كما يئس الكفار الذين ماتوا فعاينوا الآخرة .


سورة الصف

[ مدنية ، وهي أربع عشر آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ) * .

* ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) * .

روي : ( إن المسلمين قالوا : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا .

فأنزل الله : ) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا 2 ( فولوا يوم أحد ، فنزلت ) 3 .

والقمي : مخاطبة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين وعدوه أن ينصروه ، ولا يخالفوا

أمره ، ولا ينقضوا عهده في أمير المؤمنين ، فعلم الله أنهم لا يفون بما يقولون ، وقد سماهم

الله المؤمنين بإقرارهم وإن لم يصدقوا 4 .

* ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) * المقت : أشد البغض .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - نفس السورة : 4 .

( 3 ) - البيضاوي 5 : 130 .

( 4 ) - القمي 2 : 365 .


قال : ( الخلف يوجب المقت عند الله وعند الناس ، قال الله تعالى ) كبر مقتا ( ، الآية ) 1 .

وورد : ( عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له ، فمن أخلف فبخلف الله بدأ ، ولمقته

تعرض . وذلك قوله : ) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ( ، الآيتين ) 2 .

* ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) * : مصطفين * ( كأنهم بنيان

مرصوص ) * في تراصهم من غير فرجة . والرص : اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الآية : ( أنا سبيل الله الذي نصبني للاتباع بعد

نبيه صلى الله عليه وآله ) 3 .

* ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ) * .

روي : إن قارون دس إليه امرأة وزعم أنه زنى بها ، ورموه بقتل هارون ) 4 .

* ( فلما زاغوا ) * عن الحق * ( أزاغ الله قلوبهم ) عن قبول الحق والميل إلى الصواب .

والقمي : أي : شكك قلوبهم 5 . * ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) * .

* ( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين

يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد ) * يعني محمدا صلى الله عليه وآله .

ورد : ( إن الله لما بشر عيسى بظهور نبينا ، قال له في صفته : واستوص بصاحب الجمل

الأحمر ، والوجه الأقمر ، نكاح النساء ) 6 .

وورد : ( إنه لما بعث الله المسيح عليه السلام ، قال : إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد

من ولد إسماعيل ، يجئ بتصديقي وتصديقكم ، وعذري وعذركم ) 7 .

والقمي : سأل بعض اليهود رسول الله : لم سميت أحمد ؟ قال : لأني في السماء أحمد


( 1 ) - نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 444 ، الكتاب : 53 .

( 2 ) - الكافي 2 : 363 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - مصباح المتهجد : 701 ، من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير .

( 4 ) - الجامع لأحكام القرآن 13 : 310 ، مجمع البيان 9 - 10 : 278 . وتفصيل القصة في البيضاوي 4 : 133 .

( 5 ) - القمي 2 : 365 .

( 6 ) - عوالي اللآلي 3 : 282 ، الحديث : 7 .

( 7 ) - الكافي 1 : 293 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


مني في الأرض 1 .

وورد : ( إن اسمه في صحف إبراهيم الماحي ، وفي توراة موسى الحاد ، وفي إنجيل

عيسى أحمد ، وفي الفرقان محمد ) 2 .

* ( فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) * .

* ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى

القوم الظالمين ) * أي : لا أحد أظلم ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيته الموجب له خير

الدارين ، فيضع موضع إجابته الافتراء على الله ، بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرا .

* ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) * قال : ( ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين ) 3 . * ( والله

متم نوره ) * : مبلغ غايته بنشره وإعلانه . قال : ( متم الإمامة ) 4 .

القمي : ) والله متم نوره ( بالقائم من آل محمد إذا خرج ، يظهره الله على الدين كله ،

حتى لا يعبد غير الله 5 . ولو كره الكافرون ) * إرغاما لهم .

* ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) * : ليغلبه 6

على جميع الأديان * ( ولو كره المشركون ) * .

قال : ( إن ذلك عند خروج المهدي من آل محمد ، فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله ) 7 .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال : ( أظهر ذلك بعد ؟ قالوا : نعم . قال : كلا ، فوالذي نفسي

بيده ، حتى لا تبقى قرية إلا وتنادي بشهادة أن لا إله إلا الله ومحمدا رسول الله بكرة


( 1 ) - القمي 2 : 365 .

( 2 ) - من لا يحضره الفقيه 4 : 130 ، الحديث : 454 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - الكافي 1 : 196 ، الحديث : 6 ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام .

( 4 ) - الكافي 1 : 196 ، الحديث : 6 ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام .

( 5 ) - القمي 2 : 365 .

( 6 ) - في ( ب ) و ( ج ) : ( ليعليه ) .

( 7 ) - مجمع البيان 5 - 6 : 25 ، عن أبي جعفر عليه السلام ، ذيل الآية : 33 ، من سورة التوبة .


وعشيا ) 1 .

وقد مر تمام بيانه في سورة التوبة 2 .

* ( يا أيها الذين امنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) * قال :

( فقالوا : لو نعلم ما هي لبذلنا فيها الأموال والأنفس ، فقال الله . . . ) 3 .

* ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير

لكم إن كنتم تعلمون ) * .

* ( يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في

جنات عدن ذلك الفوز العظيم ) * .

* ( وأخرى تحبونها ) * : ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى محبوبة ، فيه

تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل . * ( نصر من الله وفتح قريب ) * : عاجل . القمي :

يعني في الدنيا ، بفتح القائم عليه السلام ، وأيضا قال : فتح مكة 4 . * ( وبشر المؤمنين ) * .

* ( يا أيها الذين امنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من

أنصاري إلى الله ) * أي : من جندي ، متوجها إلى نصرة الله ؟ والحواريون : أصفياؤه . وقد

سبق في آل عمران تفسيره 5 . * ( قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني

إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين امنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) * : فصاروا

غالبين .


( 1 ) - المصدر 9 - 10 : 280 .

( 2 ) - الأصفى 1 : 462 ، ذيل الآية : 33 .

( 3 ) - القمي 2 : 365 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 4 ) - المصدر : 366 .

( 5 ) - الأصفى 1 : 152 ، ذيل الآية : 52 .


سورة الجمعة

[ مدنية ، وهي إحدى عشرة آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ) * .

* ( هو الذي بعث في الأميين ) * قال : ( كانوا يكتبون ، ولكن لم يكن معهم كتاب من

عند الله ، ولا بعث إليهم رسول ، فنسبهم الله إلى الأميين ) 2 .

* ( رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ) * من خبائث العقائد والأخلاق * ( ويعلمهم

الكتاب والحكمة ) * : القرآن والشريعة * ( وإن : وإنه * ( كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) * من الشرك وخبث الجاهلية .
* ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) * : لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون .

قيل : وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين ، فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع 3 .

وورد : ( هم الأعاجم ، ومن لا يتكلم بلغة العرب ) 4 .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - القمي 2 : 366 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - البيضاوي 5 : 132 .

( 4 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 284 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


وروي : إن النبي صلى الله عليه وآله قرأ هذه الآية فقيل له : من هؤلاء ؟ فوضع يده على كتف سلمان

وقال : ( لو كان الأيمان في الثريا لنالته رجال من هؤلاء ) 1 . * ( وهو العزيز الحكيم ) * .

* ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) * .

* ( مثل الذين حملوا التوراة ) * : علموها ، وكلفوا العمل بها . * ( ثم لم يحملوها ) * : لم

يعملوا بها ، ولم ينتفعوا بما فيها * ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) * : كتبا من العلم ، يتعب في

حملها ولا ينتفع بها .

القمي : الحمار يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها ولا يعمل بها ، كذلك بنو إسرائيل قد

حملوا مثل الحمار ، لا يعلمون ما فيه ولا يعملون به 2 .

* ( بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) * .

* ( قل يا أيها الذين هادوا ) * : تهودوا * ( إن زعمتم أنكم أولياء لله ) * إذ كانوا يقولون

نحن أولياء الله وأحباؤه * ( من دون الناس فتمنوا الموت ) * : فتمنوا من الله أن يميتكم ،

وينقلكم من دار البلية إلى دار الكرامة .

القمي : في التوراة مكتوب : أولياء الله يتمنون الموت 3 . * ( إن كنتم صادقين ) * .

* ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) * : بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي

* ( والله عليم بالظالمين ) * . سبق تمام تفسيره في سورة البقرة 4 .

* ( قل إن الموت الذي تفرون منه ) * وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم

فتؤخذوا بأعمالكم * ( فإنه ملاقيكم ) * لا تفوتونه ، لا حق بكم .

ورد : ( كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر ، والأجل مساق النفس إليه ، والهرب منه


( 1 ) - الكشاف 4 : 102 ، مجمع البيان 9 - 10 : 284 .

( 2 ) - القمي 2 : 366 .

( 3 ) - القمي 2 : 366 .

( 4 ) - الأصفى 1 : 55 ، ذيل الآية : 94 .


موافاته ) 1 .

* ( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) * .

* ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ) * أي : أذن لها من يوم الجمعة .

ورد : ( إن الله جمع فيها خلقه لولاية محمد ووصيه في الميثاق ، فسماه يوم الجمعة ،

لجمعه فيه خلقه ) 2 .

* ( فاسعوا ) * قال : ( أي : امضوا ) 3 . وورد قراءتهم به أيضا 4 . وفي رواية : ( معنى

) فاسعوا ( هو الانكفاء ) 5 . والقمي : الإسراع في المشي 6 .

أقول : وذلك أن السعي دون العدو ، وهو القصد في المشي .
* ( إلى ذكر الله ) * يعني إلى الصلاة ، كما يدل عليه ما قبله وما بعده . وذروا البيع ) * :

واتركوا المعاملة .

وروي : ( إنه كان بالمدينة ، إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ، نادى مناد : حرم البيع حرم

البيع ) 7 .

* ( ذلكم خير لكم ) * أي : السعي إلى ذكر الله خير لكم من المعاملة ، فإن نفع الآخرة

خير وأبقى * ( إن كنتم تعلمون ) * الخير والشر .

قال : ( فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة ، منها صلاة

واحدة فرضها الله في جماعة ، وهي الجمعة ، ووضعها عن تسعة : عن الصغير والكبير


( 1 ) - القمي 2 : 367 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .

( 2 ) - الكافي 3 : 415 ، الحديث : 7 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - القمي 2 : 367 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 4 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 288 ، عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام .

( 5 ) - علل الشرائع 2 : 357 ، الباب : 73 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 6 ) - القمي 2 : 367 .

( 7 ) - من لا يحضره الفقيه 1 : 195 ، الحديث : 914 .


والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين ) 1 .

* ( فإذا قضيت الصلاة ) * : أديت وفرغ منها * ( فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل

الله ) * . ورد : ( الصلاة يوم الجمعة ، والانتشار يوم السبت ) 2 . * ( واذكروا الله كثيرا ) * أي :

في مجامع أحوالكم ، ولا تخصوا ذكره بالصلاة * ( لعلكم تفلحون ) * بخير الدارين .

* ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) * قال : ( انصرفوا إليها ) 3 . * ( وتركوك

قائما ) * قال : ( تخطب على المنبر ) 4 . * ( قل ما عند الله ) * من الثواب * ( خير من اللهو ومن

التجارة ) * فإن ذلك محقق مخلد ، بخلاف ما تتوهمون من نفعهما . قال : ( نزلت ) خير من

اللهو ومن التجارة للذين اتقوا ) 5 . وورد قراءتهم به أيضا 6 . * ( والله خير الرازقين ) *

القمي : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بالناس يوم الجمعة ، ودخلت ميرة 7 وبين يديها قوم

يضربون بالدفوف والملاهي ، فترك الناس الصلاة ومروا ينظرون إليهم ، فأنزل الله 8 .


( 1 ) - الكافي 3 : 419 ، الحديث : 6 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - المحاسن : 346 ، الباب : 2 ، الحديث : 8 ، مجمع البيان 9 - 10 : 289 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - القمي 2 : 367 ، مجمع البيان 9 - 10 : 289 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 289 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، عوالي اللآلي 2 : 57 ، الحديث : 153 .

( 6 ) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 183 ، الباب : 44 ، قطعة من حديث : 5 .

( 7 ) - الميرة : طعام يمتاره الإنسان ، أي : يجلبه من بلد إلى بلد . مجمع البحرين 3 : 486 ( مير ) .

( 8 ) - القمي 2 : 367 .


سورة المنافقون

[ مدنية ، وهي إحدى عشرة آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله

يشهد إن المنافقين لكاذبون ) * لأنهم لم يعتقدوا ذلك . لما كانت الشهادة إخبارا عن علم ،

لأنها من الشهود بمعنى الحضور والاطلاع ، صدق المشهود به ، وكذبهم في الشهادة .

* ( اتخذوا أيمانهم ) * : حلفهم الكاذب * ( جنة ) * : وقاية عن القتل والسبي * ( فصدوا عن

سبيل الله ) * صدا أو صدودا . * ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) * من نفاقهم وصدهم .

* ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ) * حتى تمرنوا على الكفر

واستحكموا فيه * ( فهم لا يفقهون ) * .

* ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) * لضخامتها وصباحتها 2 . * ( وإن يقولوا تسمع

لقولهم ) * لذلاقتهم 3 وحلاوة كلامهم * ( كأنهم خشب مسندة ) * إلى الحائط ، في كونهم


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - الصباحة : الجمال . الصحاح 1 : 380 ( صبح ) .

( 3 ) - لسان ذلق : بليغ فصيح . مجمع البحرين 5 : 165 ( ذلق ) .


أشباحا خالية عن العلم والنظر . قال : يقول : ( لا يسمعون ولا يعقلون ) 1 . * ( يحسبون كل

صيحة عليهم ) * أي : واقعة عليهم ، لجبنهم واتهامهم * ( هم العدو ) * استئناف . * ( فاحذرهم

قاتلهم الله ) * دعاء عليهم * ( أنى يؤفكون ) * : كيف يصرفون عن الحق .

* ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم عطفوها إعراضا

واستكبارا * ( ورأيتهم يصدون ) * : يعرضون عن الاستغفار * ( وهم مستكبرون ) * عن

الاعتذار .

* ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم لرسوخهم في

الكفر * ( إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) * .

* ( هم الذين يقولون ) * أي : للأنصار * ( لا تنفقوا على من عند رسول الله ) * يعنون

فقراء المهاجرين * ( حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ) * : بيده الأرزاق والقسم

* ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) * ذلك ، لجهلهم بالله .

* ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله

وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) * .

القمي : ما ملخصه : إن أنصاريا من قوم عبد الله بن أبي ومهاجريا تنازعا في بعض

الغزوات على ماء ، وكاد أن تقع الفتنة ، فأخبر ابن أبي بذلك ، فأقبل على أصحابه ، فقال :

هذا عملكم ، أنزلتموهم منازلكم وواسيتموهم بأموالكم ، ووقيتموهم بأنفسكم ، وأبرزتم

نحوركم للقتل ، فأرمل نساءكم ، وأيتم صبيانكم ، ولو أخرجتموهم لكانوا عيالا على

غيركم . ثم قال : ) لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ( . وكان في القوم زيد بن

أرقم 2 ، وكان غلاما قد راهق ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بما قال ابن أبي فقال له :

لعلك وهمت يا غلام . قال : لا والله ما وهمت . فقال : لعلك غضبت عليه قال : لا والله ما


( 1 ) - القمي 2 : 370 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاري : صحابي ، غزا مع النبي صلى الله عليه وآله سبع عشرة غزوة ، وشهد صفين مع علي ،

ومات بالكوفة سنة : 68 . راجع : أعيان الشيعة 7 : 87 ، تنقيح المقال 1 : 461 ، معجم رجال الحديث 7 : 333 ،

تهذيب التهذيب 3 : 394 .


غضبت عليه . قال : فلعله سفه عليك . قال : لا والله . فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله في غير وقت

رحيل ، ورحل الناس معه ، فسار يومه كله لا يكلمه أحد . فأقبلت الخزرج على عبد الله

بن أبي يعذلونه . فحلف أنه لم يقل شيئا من ذلك . فقالوا : فقم بنا إلى رسول الله حتى نعتذر

إليه ، فلوى عنقه . فلما كان من الغد نزل رسول الله ونزل أصحابه ، فجاء ابن أبي إليه وحلف

أنه لم يقل شيئا من ذلك ، وأنه ليشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك لرسول الله ، وأن زيدا قد

كذب علي . فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله منه .

وأقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يشتمونه ويقولون له : كذبت على عبد الله سيدنا ،

وكان زيد يقول : اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب على عبد الله بن أبي . فما سار إلا ليلا حتى

أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان يأخذه من البرحاء 1 عند نزول الوحي ، فثقل حتى كادت ناقته

أن تبرك ، فسرى عنه وهو يسكب العرق عن جبهته ، ثم أخذ بأذن زيد فرفعه من الرحل ، ثم

قال : يا غلام صدق فوك ووعي قلبك وأنزل الله فيما قلت قرآنا .

فلما نزل ، جمع أصحابه وقرأ عليهم سورة المنافقين . ففضح الله ابن أبي وأصحابه ،

فمشى إليهم عشائرهم فقالوا لهم : قد افتضحتم ويلكم فاتوا نبي الله يستغفر لكم ، فلووا

رؤوسهم وزهدوا في الاستغفار 2 .

* ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ) * لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام

بها * ( عن ذكر الله ) * كالصلاة وسائر العبادات * ( ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) * لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني .

* ( وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ) * : أن يرى دلائله * ( فيقول

رب لولا أخرتني ) * : أمهلتني * ( إلى أجل قريب فأصدق ) * : فأتصدق . قال : ( أصدق ، من


( 1 ) - برحاء : شدة الأذى . الصحاح 1 : 355 ( برح ) .

( 2 ) - القمي 2 : 368 - 370 .


الصدقة ) 1 . * ( وأكن من الصالحين ) * قال : ( أحج ) 2 . وقال : ( الصلاح الحج ) 3 .

* ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) * .

قال : ( إن عند الله كتبا موقوفة يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، فإذا كان ليلة القدر

أنزل الله فيها كل شئ يكون إلى مثلها ، فذلك قوله ) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ( : إذا

أنزله الله ، وكتبه كتاب السماوات ، وهو الذي لا يؤخره ) 4 .

* ( والله خبير بما تعملون ) * .


( 1 ) - من لا يحضره الفقيه 2 : 142 ، الحديث : 618 .

( 2 ) - من لا يحضره الفقيه 2 : 142 ، الحديث : 618 .

( 3 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 296 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - القمي 2 : 547 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


سورة التغابن

[ مدنية ، وهي ثماني عشرة آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل

شئ قدير ) * .

* ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) * . قال : ( عرف الله إيمانهم بو لا يتنا

وكفرهم بتركها ، يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر ) 2 . * ( والله بما تعملون

بصير ) * .

* ( خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ) * حيث زينكم

بصفوة أوصاف الكائنات ، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات ، وجعلكم أنموذج

جميع المخلوقات . * ( وإليه المصير ) * فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب

ظواهركم .

* ( يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات

الصدور ) * .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - الكافي 1 : 426 ، الحديث : 74 ، القمي 2 : 371 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


* ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ) * كقوم نوح وهود وصالح * ( فذاقوا وبال

أمرهم ) * : ضرر كفرهم في الدنيا . وأصل الوبال : الثقل . * ( ولهم عذاب أليم ) * في الآخرة .

* ( ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ) * : أنكروا

وتعجبوا أن يكون الرسل بشرا . والبشر يطلق على الواحد والجمع . * ( فكفروا وتولوا

واستغنى الله ) * عن كل شئ فضلا عن طاعتهم * ( والله غني حميد ) * .

* ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم

وذلك على الله يسير ) * .

* ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ) * قيل : يعني القرآن 1 .

وقال : ( النور هو الإمام ) 2 .

وفي رواية : ( النور والله الأئمة 3 ، لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس

المضيئة بالنهار ، وهم الذين ينورون 4 قلوب المؤمنين ، ويحجب الله نورهم عمن يشاء

فتظلم قلوبهم ) 5 . * ( والله بما تعملون خبير ) * .

* ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ) * لأجل ما فيه من الحساب والجزاء ، والجمع : جمع

الأولين والآخرين * ( ذلك يوم التغابن ) * يغبن فيه بعضهم بعضا .

قال : ( يوم يغبن أهل الجنة أهل النار ) 6 .

وقال : ( ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ، ليزداد شكرا . وما من

عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ، ليزداد حسرة ) 7 .


( 1 ) - التبيان 10 : 21 ، الكشاف 4 : 115 ، البيضاوي 5 : 135 .

( 2 ) - الكافي 1 : 196 ، ذيل الحديث : 6 ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام .

( 3 ) - في المصدر : ( والله نور الأئمة ) .

( 4 ) - في المصدر : ( وهم والله ينورون ) .

( 5 ) - الكافي 1 : 194 ، الحديث : 1 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 6 ) - معاني الأخبار : 156 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 7 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 299 ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله .


* ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من

تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) * .

* ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس

المصير ) * . الآيتان بيان للتغابن وتفصيل له .

* ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ) * بتقديره ومشيئته * ( ومن يؤمن بالله يهد

قلبه ) * .

قال : ( إن القلب ليترجرج 1 فيما بين الصدر والحنجرة ، حتى يعقد على الإيمان ، فإذا

عقد على الإيمان قر ، وذلك قول الله عز وجل : ) ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) 2 .

* ( والله بكل شئ عليم ) * حتى القلوب وأحوالها .

* ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) * .

* ( الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) * .

* ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ) * يشغلكم عن طاعة

الله ، ويخاصمكم في أمر الدين أو الدنيا .

* ( فاحذروهم ) * ولا تأمنوا غوائلهم * ( وإن تعفوا ) * عن ذنوبهم ، بترك المعاقبة

* ( وتصفحوا ) * بالإعراض ، وترك التثريب عليها * ( وتغفروا ) * بإخفائها ، وتمهيد معذرتهم

فيها * ( فإن الله غفور رحيم ) * يعاملكم بمثل ما عاملتم ، ويتفضل عليكم .

قال : ( إن الرجل كان إذا أراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعلق به ابنه وامرأته ، وقالوا :

ننشدك الله أن تذهب عنا وتدعنا فنضيع بعدك ، فمنهم من يطيع أهله فيقيم ، ومنهم من

يمضي ويذرهم ويقول : أما والله لئن لم تهاجروا معي ، ثم يجمع الله بيني وبينكم في دار

الهجرة ، لا أنفعكم بشئ أبدا ، فلما جمع الله بينه وبينهم أمره الله أن يحسن إليهم ويصلهم ،


( 1 ) - ترجرج الشئ ، أي : جاء وذهب . الصحاح 1 : 317 ( رجج ) .

( 2 ) - الكافي 2 : 421 ، الحديث : 4 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


فقال : ) وإن تعفوا ( ، الآية ) 1 .

* ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) * اختبار لكم . والله عنده أجر عظيم ) * لمن آثر

محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم .

* ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * : فابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم * ( واسمعوا ) * مواعظه

* ( وأطيعوا ) * أوامره * ( وأنفقوا ) * في وجوه الخير خالصا لوجهه * ( خيرا ) * : إنفاقا خيرا

* ( لأنفسكم ) * حث على الإنفاق . * ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) * . سبق

تفسيره 2 .

* ( إن تقرضوا الله ) * بصرف المال فيما أمره * ( قرضا حسنا ) * : مقرونا بإخلاص وطيب

نفس * ( يضاعفه لكم ) * : يجعل لكم بالواحد عشرا إلى سبعمائة وأكثر * ( ويغفر لكم ) * ببركة

الإنفاق * ( والله شكور ) * : يعطي الجزيل بالقليل * ( حليم ) * : لا يعاجل بالعقوبة .

* ( عالم الغيب والشهادة ) * : لا يخفى عليه شئ * ( العزيز الحكيم ) * : تام القدرة

والعلم .


( 1 ) - القمي 2 : 372 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - ذيل الآية : 128 من سورة النساء .


سورة الطلاق

[ مدنية ، وهي اثنتا عشرة آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء . ) * القمي : المخاطبة للنبي والمعنى للناس 2 .

* ( فطلقوهن لعدتهن ) * قال : ( في قبل عدتهن ) 3 .

وقال : ( العدة : الطهر من المحيض ) 4 .

وفي رواية : ( إذا أراد الرجل الطلاق ، طلقها في قبل عدتها بغير جماع ) 5 .

* ( وأحصوا العدة ) * : اضبطوها ، وأكملوها ثلاثة قروء * ( واتقوا الله ربكم ) * في تطويل

العدة والإضرار بهن . * ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) * من مساكنهن حتى تنقضي عدتهن * ( ولا

يخرجن ) * .

قال : ( إنما عني بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة ، فتلك التي لا تخرج ولا تخرج


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - القمي 2 : 373 .

( 3 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 302 ، عن علي بن الحسين وأبي عبد الله عليهم السلام .

( 4 ) - القمي 2 : 373 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 5 ) - الكافي 6 : 69 ، الحديث : 9 ، عن أبي عبد الله ، عن أمير المؤمنين عليهما السلام .


حتى تطلق الثالثة ، فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه ، ولا نفقة لها . والمرأة التي يطلقها الرجل

تطليقة ، ثم يدعها حتى يخلو أجلها ، فهذه أيضا تقعد في منزل زوجها ، ولها النفقة والسكنى

حتى تنقضي عدتها ) 1 .

* ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) * قال : ( يعني بالفاحشة المبينة أن تؤذي أهل زوجها ،

فإذا فعلت ، فإن شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدتها ، فعل ) 2 .

وفي رواية : ( إلا أن تزني ، فتخرج ويقام عليها الحد ) 3 .

وفي أخرى : ( السحق ) 4 .

والقمي : أن تزني أو تشرف على الرجال . ومن الفاحشة السلاطة 5 على زوجها 6 .

* ( وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري ) * أي : النفس

* ( لعل الله يحدث بعد لك أمرا ) * قال : ( لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها ) 7 .

* ( فإذا بلغن أجلهن ) * : شارفن آخر عدتهن * ( فأمسكوهن ) * : راجعوهن * ( بمعروف ) * :

بحسن عشرة وإنفاق مناسب * ( أو فارقوهن بمعروف ) * بإيفاء الحق والتمتيع واتقاء الضرار

* ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * على الطلاق . القمي : معطوف على قوله : ) إذا طلقتم النساء

فطلقوهن لعدتهن ) 8 .

قال لأبي يوسف القاضي 9 : ( إن الله تبارك وتعالى أمر في كتابه بالطلاق وأكد فيه


( 1 ) - الكافي 6 : 90 ، الحديث : 5 ، عن الكاظم عليه السلام .

( 2 ) - المصدر : 97 ، الحديث : 2 ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام .

( 3 ) - من لا يحضره الفقيه 3 : 322 ، الحديث : 1565 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - كمال الدين 2 : 459 ، الباب : 43 ، قطعة من حديث : 21 ، عن القائم عليه السلام .

( 5 ) - السلاطة : حدة اللسان ، يقال : رجل سليط ، أي : صخاب بذي اللسان ، وامرأة سليطة كذلك . مجمع البحرين 4 :

255 ( سلط ) .

( 6 ) - القمي 2 : 374 .

( 7 ) - الكافي 6 : 92 ، الحديث : 14 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 8 ) - القمي 2 : 373 .

( 9 ) - يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي ، أبو يوسف : صاحب أبي حنيفة وتلميذه وأول من

نشر مذهبه . تولى القضاء في بغداد أيام المهدي والهادي والرشيد ، وهو أول من دعي ( قاضي القضاة ) . ولد

بالكوفة سنة : 113 ه‍ ، ومات في خلافته ببغداد ، سنة : 182 ه‍ . الأعلام ( للزركلي ) 8 : 193


بشاهدين ، ولم يرض بهما إلا عدلين ، وأمر في كتابه بالتزويج ، فأهمله بلا شهود ، فأثبتم

شاهدين فيما أهمل ، وأبطلتم الشاهدين فيما أكد ! ) 1 .

* ( وأقيموا الشهادة ) * أيها الشهود عند الحاجة * ( لله ) * : خالصا لوجهه * ( ذلكم يوعظ

به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) * قال : ( من شبهات

الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة ) 2 .

وقال : ( مخرجا من الفتن ونورا من الظلم ) 3 .

ورد : ( هي آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ) 4 .

* ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) * قال : ( في دنياه ) 5 . وقال : ( أي : يبارك له فيما

آتاه ) 6 .

وورد : ( من أتاه الله برزق لم يخط إليه برجله ، ولم يمد إليه يده ، ولم يتكلم فيه

بلسانه ، ولم يشد إليه ثيابه ، ولم يتعرض له ، كان ممن ذكره الله في كتابه : ) ومن يتق الله ( ،

الآية ) 7 .

وورد : ( إن قوما لما نزلت هذه الآية أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة ، فقال لهم

النبي صلى الله عليه وآله : من فعل ذلك لم يستجب له ، عليكم بالطلب ) 8 .


( 1 ) - الكافي 5 : 387 ، الحديث : 4 ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام .

( 2 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 306 ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله .

( 3 ) - نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) 266 ، الخطبة : 183 .

( 4 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 306 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 5 ) - القمي 2 : 375 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 6 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 306 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 7 ) - من لا يحضره الفقيه 3 : 101 ، الحديث : 399 ، عن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام .

( 8 ) - الكافي 5 : 84 ، الحديث : 5 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


وفي رواية : ( هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ، ليس عندهم ما يتحملون به إلينا ،

فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا ، فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون

أبدانهم ، حتى يدخلوا علينا ، فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم ، فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء .

فأولئك الذين يجعل الله لهم مخرجا ، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ) 1 .

* ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) * : كافيه * ( إن الله بالغ أمره ) * : يبلغ ما يريده ،

ولا يفوته مراد * ( قد جعل الله لكل شئ قدرا ) * تقديرا أو مقدارا لا يتغير . وهو بيان

لوجوب التوكل ، وتقرير لما تقدم من الأحكام ، وتمهيد لما سيأتي من المقادير .

قال : ( التوكل على الله درجات ، منها : أن تتوكل على الله في أمورك كلها ، فما فعل بك

كنت عنه راضيا ، تعلم أنه لا يألوك خيرا وفضلا ، وتعلم أن الحكم في ذلك له ) 2 .

وسأل النبي صلى الله عليه وآله جبرئيل : ما التوكل على الله ؟ فقال : ( العلم بأن المخلوق لا يضر

ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ، واستعمال اليأس من الخلق . فإذا كان العبد كذلك ، لم يعمل

لأحد سوى الله ، ولم يرج ولم يخف سوى الله ، ولم يطمع في أحد سوى الله ، فهذا هو

التوكل ) 3 .

* ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ) * فلا يحضن * ( إن ارتبتم ) * : شككتم

في أمرهن ، فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض * ( فعدتهن ثلاثة أشهر ) * .

قال : ( هن اللواتي أمثالهن يحضن ، لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن

للارتياب معنى ) 4 .

* ( واللائي لم يحضن ) * يعني واللائي لم يحضن بعد كذلك * ( وأولات الأحمال


( 1 ) - الكافي 8 : 178 ، الحديث : 201 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 2 ) - الكافي 2 : 65 ، الحديث : 5 ، عن الكاظم عليه السلام .

( 3 ) - معاني الأخبار : 260 ، الحديث : 1 .

( 4 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 307 ، عن أئمتنا عليهم السلام .


أجلهن أن يضعن حملهن ) * قال : ( هي في الطلاق خاصة ) 1 .

أقول : وذلك لأن عدتهن في الموت أبعد الأجلين ، كما ورد في أخبار كثيرة 2 .
* ( ومن يتق الله ) * في أحكامه ، فيراعي حقوقها * ( يجعل له من أمره يسرا ) * : يسهل

عليه أمره ويوفقه للخير .

* ( ذلك ) * إشارة إلى ما ذكر من الأحكام * ( أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله ) * في

أمره * ( يكفر عنه سيئاته ) * فإن الحسنات يذهبن السيئات * ( ويعظم له أجرا ) * بالمضاعفة .

* ( أسكنوهن من حيث سكنتم ) * أي : مكانا من سكناكم * ( من وجدكم ) * من وسعكم

* ( ولا تضاروهن ) * في السكنى * ( لتضيقوا عليهن ) * : ( فتلجئوهن إلى الخروج قبل انقضاء

عدتهن ) . كذا ورد 3 .

قال : ( والمطلقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها ، إنما هي التي لزوجها عليها رجعة ) 4 .

* ( وإن كن أو لات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) * فيخرجن من العدة

* ( فإن أرضعن لكم ) * بعد انقطاع علاقة النكاح * ( فاتوهن أجورهن ) * على الإرضاع

* ( وأتمروا بينكم بمعروف ) * : وليأتمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر . * ( وإن

تعاسرتم ) * : تضايقتم * ( فسترضع له أخرى ) * : امرأة أخرى ، وفيه معاتبة للأم على

المعاسرة .

* ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله

نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) * عاجلا أو آجلا .


( 1 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 307 ، عن أئمتنا عليهم السلام .

( 2 ) - الكافي 6 : 114 ، الحديث : 2 ، 4 ، 5 و 6 ، المصدر 5 : 427 ، الحديث : 4 و 5 ، من لا يحضره الفقيه 3 : 330 ،

الحديث : 1597 .
( 3 ) - الكافي 6 : 123 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - المصدر : 104 ، الحديث : 1 و 4 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


هذا الحكم يجري في كل إنفاق فقد ورد : إنه سئل عن الرجل الموسر يتخذ الثياب

الكثيرة الجياد ، والطيالسة 1 والقمص الكثيرة ، يصون بعضها بعضا ، يتجمل بها ، أيكون

مسرفا ؟ قال : ( لا ، لأن الله عز وجل يقول : ) لينفق ذو سعة من سعته ) 2 .

* ( وكأين من قرية ) * : أهل قرية * ( عتت عن أمر ربها ورسله ) * : أعرضت عنه إعراض

العاتي * ( فحاسبناها حسابا شديدا ) * بالاستقصاء والمناقشة * ( وعذبناها عذابا نكرا ) * :

منكرا .

* ( فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ) * .

* ( أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين امنوا قد أنزل الله

إليكم ذكرا ) * .

* ( رسولا ) * . ( الذكر : رسول الله ) . كذا ورد 3 . * ( يتلو عليكم آيات الله مبينات

ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) * : من الضلالة إلى الهدى

* ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها

أبدا قد أحسن الله له رزقا ) * .

* ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) * . في العدد * ( يتنزل الأمر

بينهن ) * : يجري أمر الله وقضاؤه بينهن ، وينفذ حكمه فيهن * ( لتعلموا أن الله على كل شئ

قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما ) * .

ورد ما ملخصه : ( إن السماء الدنيا فوق هذه الأرض قبة عليها ، والأرض الثانية فوق

السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة ، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة


( 1 ) - الطيالسة ، واحدة : الطيلسان ، مثلثة اللام : ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس ، خال عن التفصيل والخياطة . وهو

من لباس العجم . والهاء في الجمع للعجمة ، لأنه فارسي ، معرب : تالشان . مجمع البحرين 4 : 82 ( طيلس ) .

( 2 ) - الكافي 6 : 443 ، الحديث : 12 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 239 ، الباب : 23 ، قطعة من حديث : 1 .


فوقها قبة ، وهكذا إلى السابعة من كل منهما . وعرش الرحمان فوق السماء السابعة ، وهو

قول الله : ) الذي خلق سبع سماوات طباقا ( الآية 1 . قال : فأما صاحب الأمر فهو رسول الله ،

والوصي بعد رسول الله قائم هو على وجه الأرض ، فإنما يتنزل الأمر إليه من فوق السماء

بين السماوات والأرضين . وقال : ما تحتنا إلا أرض واحدة وإن الست لهي فوقنا ) 2 .

أقول : كأنه عليه السلام جعل كل سماء أرضا بالإضافة إلى ما فوقها وسماء بالإضافة إلى ما تحتها ،
فيكون التعدد باعتبار تعدد سطحيها .


( 1 ) - سورة الملك ( 67 ) : 3 .

( 2 ) - القمي 2 : 329 ، ذيل الآية : 7 من سورة الذاريات ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام .


سورة التحريم

[ مدنية ، وهي اثنتا عشرة آية ] 1

بسم الله الرحمن الرحيم

* ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور

رحيم ) * .

قال : ( اطلعت عائشة وحفصة على النبي صلى الله عليه وآله وهو مع مارية ، فقال صلى الله عليه وآله : والله ما

أقربها . فأمره الله أن يكفر عن يمينه ) 2 .

وروي : ( إنه خلا بمارية في يوم حفصة أو عائشة ، فاطلعت على ذلك حفصة فعاتبته

فيه ، فحرم مارية ، فنزلت ) 3 .

* ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) * : قد شرع لكم تحليلها ، وهو حل ما عقدتم

بالكفارة . * ( والله مولاكم ) * متولي أمركم * ( وهو العليم بما يصلحكم . * ( الحكيم ) * :

المتقن في أفعاله وأحكامه .

* ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ) * يعني حفصة * ( حديثا ) * .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - القمي 2 : 375 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - البيضاوي 5 : 138 .


ورد : ( إنه لما حرم مارية على نفسه أخبر حفصة : أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر ) 1 .

وفي رواية : ( قال لها : إن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ،

فأخبرت حفصة عائشة من يومها ذلك ، وأخبرت عائشة أبا بكر ) 2 .

* ( فلما نبأت به ) * : أخبرت به * ( وأظهره الله عليه ) * : وأطلع الله النبي صلى الله عليه وآله على

الحديث ، أي : على إفشائه عرف بعضه : عرف الرسول بعض ما فعلت وأعرض عن
بعض ) * : عن إعلام بعض تكرما .

قال : ( إن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك ، فعاتبهما في أمر مارية ، وما أفشتا عليه

من ذلك ، وأعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر ) 3 .

* ( فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ) * .

* ( إن تتوبا إلى الله ) * خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة

* ( فقد صغت قلوبكما ) * : فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب ،

من مخالصة الرسول صلى الله عليه وآله بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه . وإن تظاهرا عليه : وإن

تتظاهرا عليه بما يسوؤه .

وفي قراءتهم عليهم السلام : ( وإن تظاهروا عليه ) 4 . كأنهم عليهم السلام أشركوا معهما أبو يهما . * ( فإن

الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) * : فلن يعدم من يظاهره ، فإن الله ناصره ،

وجبريل رئيس الكروبين قرينه ، وعلي بن أبي طالب أخوه ووزيره ونفسه * ( والملائكة

بعد ذلك ظهير ) * : مظاهرون .

قال : ( لما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه السلام وقال : يا أيها الناس هذا


( 1 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 314 ، الكشاف 4 : 124 .

( 2 ) - القمي 2 : 376 .

( 3 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 314 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 4 ) - جوامع الجامع : 499 ، عن الكاظم عليه السلام .


صالح المؤمنين ) 1 . وفي معناه أخبار كثيرة 2 .

* ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات

تائبات عابدات سائحات ) * : صائمات ، كما مر في سورة التوبة 3 * ( ثيبات وأبكارا وسط

العاطف بينهما لتنافيهما ولأنهما في حكم صفة واحدة ، إذ المعنى مشتملات على الثيبات

والأبكار .

* ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ) * بترك المعاصي وفعل الطاعات * ( وأهليكم ) *

بالنصح والتأديب * ( نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة ) * تلي أمرها ، وهم

الزبانية * ( غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) * .

قال : ( لما نزلت هذه الآية جلس رجل من المسلمين يبكي ، وقال : عجزت عن نفسي ،

كلفت أهلي . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك ، وتنهاهم عما

تنهى عنه نفسك ) 4 .

وزاد في رواية : ( فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم ، وإن عصوك كنت قد قضيت ما

عليك ) 5 .

* ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) * أي : يقال لهم

ذلك عند دخولهم النار ، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم ، أو العذر لا ينفعهم .

* ( يا أيها الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) * : بالغة في النصح . أسند صفة

التائب إلى التوبة مبالغة . ورد : إنه سئل عنها ، فقال : ( يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود


( 1 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 316 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - التبيان 10 : 48 ، مجمع البيان 9 - 10 : 316 ، الجامع لأحكام القرآن ( للقرطبي ) 18 : 192 ، تفسير القرآن

العظيم ( لابن كثير ) 4 : 415 ، الدر المنثور 8 : 224 .

( 3 ) - ذيل الآية : 112 .

( 4 ) - الكافي 5 : 62 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 5 ) - المصدر ، الحديث : 2 ، القمي 2 : 377 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


فيه ) 1 . قيل له : وأينا لم يعد ؟ ! فقال : ( إن الله يحب من عباده المفتن التواب ) 2 .

وفي رواية : ( التوبة النصوح : أن يكون باطن الرجل كظاهره وأفضل ) 2 .

وورد : ( إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله ، فستر عليه في الدنيا والآخرة . قيل :

وكيف يستر عليه ؟ قال : ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب ، ويوحي إلى جوارحه : اكتمي

عليه ذنوبه ، ويوحي إلى بقاع الأرض : اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب ، فيلقى الله

حين يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب ) 4 .

* ( عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) * .

ذكر بصيغة الإطماع ، جريا على عادة الملوك ، وإشعارا بأنه تفضل ، وأن العبد ينبغي أن

يكون بين خوف ورجاء . * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين

أيديهم وبأيمانهم ) * .

قال : ( يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم ، حتى ينزلوهم

منازلهم في الجنة ) 5 .

وفي رواية : ( فمن كان له نور يومئذ نجا ، وكل مؤمن له نور ) 6 .

* ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير ) * .

* ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) * قال : ( بإلزام الفرائض ) 7 .

وفي رواية : ( فجاهد رسول الله صلى الله عليه وآله الكفار ، وجاهد علي عليه السلام المنافقين ، فجاهد


( 1 ) - الكافي 2 : 432 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 2 ) - المصدر ، الحديث : 4 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - معاني الأخبار : 174 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - الكافي 2 : 430 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 5 ) - القمي 2 : 378 ، مجمع البيان 9 - 10 : 318 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 6 ) - القمي 2 : 378 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 8 ) - القمي 1 : 301 ، ذيل الآية : 73 من سورة التوبة ، عن أبي جعفر عليه السلام .


علي عليه السلام جهاد رسول الله صلى الله عليه وآله ) 1 .

وفي أخرى : إنه قرأ : ( جاهد الكفار بالمنافقين . قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقاتل

منافقا قط ، إنما كان يتألفهم ) 2 . وتمام بيانه مضى في التوبة 3 .

* ( وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير .

* ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبد ين من

عبادنا صالحين فخانتاهما ) * بالنفاق والتظاهر على الرسولين . مثل الله حال الكفار

والمنافقين - في أنهم يعاقبون بكفرهم ونفاقهم ، ولا يحابون بما بينهم وبين النبي

والمؤمنين ، من النسبة والوصلة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط .

وفيه تعريض بعائشة وحفصة في خيانتهما رسول الله صلى الله عليه وآله ، بإفشاء سره ، ونفاقهما

إياه ، وتظاهرهما عليه ، كما فعلت امرأتا الرسولين .

* ( فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ) * : فلم يغن الرسولان عنهما بحق الزواج إغناء ما

* ( وقيل ) * لهما بعد موتهما وقيام الساعة * ( ادخلا النار مع الداخلين ) * الذين لا وصلة

بينهم وبين الأنبياء .

* ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ) * . ومثل حال المؤمنين في أن وصلة

الكافرين لا تضرهم بحال آسية ومنزلتها عند الله ، مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله

* ( إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ) * : من نفسه

الخبيثة وعمله السيئ * ( ونجني من القوم الظالمين ) * : من القبط التابعين له في الظلم .

* ( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ) * القمي : لم ينظر إليها 4 . * ( فنفخنا فيه ) * :


( 1 ) - القمي 2 : 377 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 2 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 319 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - ذيل الآية : 73 .

( 4 ) - القمي 2 : 75 ، ذيل الآية : 91 من سورة الأنبياء .


في فرجها * ( من روحنا ) * قال : ( روح مخلوقة ) 1 . * ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت

من القانتين ) * القمي : من الداعين 2 . والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن

طاعة الرجال الكاملين ، حتى عدت منهم .

ورد : ( كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة

فرعون ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ) 3 .


( 1 ) - القمي 2 : 75 ، ذيل الآية : 91 من سورة الأنبياء .

( 2 ) - المصدر : 378 .

( 3 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 320 ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله .

( 4 ) - الخصال 1 : 206 ، ذيل الحديث : 22 ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، مع تفاوت .


سورة الملك

[ مكية ، وهي ثلاثون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم

تبارك الذي بيده الملك : بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها ( وهو على كل

شئ قدير ) .

( الذي خلق الموت والحياة ) القمي : قدرهما . ومعناه : قدر الحياة ثم الموت ( 2 ) . ورد :

( إن الله خلق الحياة قبل الموت ) ( 3 ) .

وقال : ( الحياة والموت خلقان من خلق الله . فإذا جاء الموت فدخل في الإنسان ،

لم يدخل في شئ إلا وقد خرجت منه الحياة ) ( 4 ) .

( ليبلوكم ) : ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف ( أيكم أحسن عملا ) وذلك لأن

الموت داع إلى حسن العمل ، وموجب لعدم الوثوق بالدنيا ولذاتها الفانية ، وبالحياة يقتدر

على الأعمال الصالحة الخالصة .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - القمي 2 : 378 .

( 3 ) - الكافي 8 : 145 ، الحديث : 116 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 4 ) - الكافي 3 : 259 ، الحديث : 34 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


قال : ( أيكم أحسن عقلا ، ثم قال : أتمكم عقلا ، وأشدكم لله خوفا ، وأحسنكم فيما أمر

الله به ونهى عنه نظرا ، وإن كانوا أقلكم تطوعا ) ( 1 ) .

وقال : ( ليس يعني أكثر عملا ، ولكن أصوبكم عملا . وإنما الإصابة خشية الله والنية

الصادقة ثم قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص الذي

لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل ) ( 2 ) .

( وهو العزيز ) : الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ( الغفور ) لمن تاب منهم .

( الذي خلق سبع سماوات طباقا ) : مطابقة ، قال : ( بعضها فوق بعض ) ( 3 ) . ( ما ترى

في خلق الرحمن من تفاوت ) : من اختلاف . القمي : يعني من فساد ( 4 ) . ( فارجع البصر

هل ترى من فطور ) : من خلل . يعني قد نظرت إليها مرارا ، فانظر إليها مرة أخرى متأملا

فيها ، لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها .

( ثم ارجع البصر كرتين ) أي : رجعتين أخريين في ارتياد الخلل . والمراد بالتثنية

التكرير والتكثير ، كما في لبيك وسعديك . والقمي : انظر في ملكوت السماوات والأرض ( 5 ) .

( ينقلب إليك البصر خاسئا ) : بعيدا عن إصابة المطلوب ، كأنه طرد عنه طردا بالصغار

وهو حسير : كليل ، من طول المعاودة وكثرة المراجعة .

( ولقد زينا السماء الدنيا ) : أقرب السماوات إلى الأرض ( بمصابيح ) : بالنجوم

التالي ص 113/176 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...