الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي · الخصال الجزء الاول 1 · الصفحة الأصلية 10 / داخلي 8 من 339
صفحة
[صفحة 10] الحيرة لما يرى من كثرة اطّلاع مؤلّفه العبقريّ و جهوده الجبّارة في اقتناء غرائب درره، و لمّ شوارد غرره، و ما كابده و عاناه في أسفاره و رحلاته لجمعه و تنسيقه.
ثمّ اعلم أنّا مع ما بالغنا في أهميّة الكتاب و عظمة مؤلّفه لم نقل بصحّة صدور جميع أخباره، و لا نلتزم بذلك في الخصال و لا غيره من كتب الأخبار، من أيّ مؤلّف في أيّ مقام. بل غاية ما نقول إنّ الخصال أحد الكتب الّتي عليها المدار في جميع الأعصار، و لم يقل أحد من الأكابر و لا المصنّف نفسه بقطعيّة صدور ما بين دفّتيه، فالكلام فيه كالكلام في غيره.
و للعلماء في معرفة الحديث الصّحاح منه و الزّياف و الحسان و الضعاف قواعد معلومة، مدعومة عندهم بالبرهان، و نحن لا نمشي فيها إلّا بضياء نورهم، و لا نكتل إلّا بمكيالهم، و لا نزن إلّا بموازين قسطهم. نصحّح ما صحّحوا و نضعّف ما ضعّفوا و نطرح ما طرحوا، و لا نحوم حوم الفضول، مع أنّا لا نقول بقول حشوية أهل الحديث و السذج منهم فنعتقد بكلّ باطل ينسب إلى المعصوم (عليه السلام).
كما أنّا لا نجعل عقولنا القاصرة «الحكم التّرضى حكومته» في معرفة مقبول الحديث و مردوده.
ثمّ اعلم أيضا أنّا لا نجوّز لأحد أن يلعب بالرّوايات يصحّح منها ما وافق هواه و إن كان موضوعا مكذوبا و يكذّب منها ما خالف رأيه و إن كان صحيحا ثابتا.
و كم في عصرنا هذا من أناس غلب المستشرقون على عقولهم، و استولوا على قلوبهم، فمالوا معهم حيثما مالوا و ذهبوا معهم أينما ذهبوا، فلا يمشون إلّا على ضوء نارهم يزعمون أنّها نور لجهلهم، يتأوّلون القرآن بآرائهم، و يفسّرونه بأوهامهم، و لا يقبلون من الأحاديث ما يخالف أهواءهم، و يدّعون أنّهم علموا ما فات أسلافهم. فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، ألا إنّهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون.