تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الحادي والثلاثون 31 · صفحة 22 من 687
صفحة
[صفحة 25]
ذلك من حسن سياسته.
و وجه البدعة فيه ظاهر، فإنّ إخراج نصر من المدينة و تغريبه و نفيه عن وطنه بمجرّد أنّ امرأة غنّت بما يدلّ على هواها فيه و رغبتها إليه مخالف لضرورة الدين، لقوله تعالى: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (1)، و لا ريب في (2) أنّ التغريب تعذيب عنيف و عقوبة عظيمة، و لم يجعل اللّه تعالى في دين من الأديان حسن الوجه و لا قبحه منشأ لاستحقاق العذاب لا في الدنيا و لا في الآخرة، و قد كان يمكنه دفع ما زعمه مفسدة من افتتان (3) النساء به بأمر أخفّ من التغريب و إن كان بدعة أيضا، و هو أن يأمره بالحجاب و ستر وجهه عن النساء أو مطلقا حتى لا يفتتن به أحد.
ثم ليت شعري ما الفائدة في تسيير نصر إلى البصرة، فهل كانت نساء البصرة أعفّ و أتقى من نساء المدينة، مع أنّها
- «مَهْبِطُ إِبْلِيسَ و مَغْرِسُ الْفِتْنَةِ» (4).
؟!. اللّهمّ إلّا أن يقال: لما كانت المدينة يومئذ مستقرّ سلطنة عمر كان القاطنون بها أقرب إلى الضلال ممّن نشأ في مغرس الفتنة، و قد حمل أصحابنا على ما يناسب هذا المقام ما روي في فضائل عمر: ما لقيك الشيطان قطّ سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك، و كأنّه المصداق لما قيل:
و كنت امرأ من جند إبليس فارتقت* * * بي الحال حتى صار إبليس من جندي
و هذه البدعة من فروع بدعة أخرى له عدّوها (5) من فضائله، قالوا: هو أوّل من عسّ في عمله بنفسه، و هي مخالفة للنهي الصريح في قوله تعالى: (وَ لا
____________
(1) قد جاءت في: الأنعام: 164، و الإسراء: 15، و فاطر: 18، و الزمر: 7.
(2) لا توجد: في، في (س).
(3) في (ك): افتنان.
(4) استشهاد بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، انظر: نهج البلاغة 3- 18 لمحمّد عبدة، و صفحة، 375 في طبعة صبحي الصالح، في كتابه (عليه السلام) إلى عبد اللّه بن عبّاس و فيه: الفتن، بدلا من الفتنة.
(5) قد عدّها ابن الجوزي من مناقب عمر، و تبعه شاعر النيل حافظ إبراهيم و نظمها في قصيدته العمرية تحت عنوان: مثال رجوعه إلى الحقّ!.