الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 201 / داخلي 197 من 235
»»
[صفحة 201]
و الوجه الثاني من التأويل أن يكون تعالى أراد المبالغة في وصف القوم الذين أهلكهم بصغر القدر و سقوط المنزلة لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قال كسفت لفقده الشمس و أظلم القمر و بكاه الليل و النهار و السماء و الأرض يريدون بذلك المبالغة و عظم الأمر و شمول المصيبة قال جرير (1) يرثى عمر بن عبد العزيز
الشمس طالعة ليست بكاسفة* * * تبكي عليك نجوم الليل و القمرا
. و في انتصاب النجوم و القمر في هذا البيت ثلاثة وجوه أحدها أنه أراد أن الشمس طالعة و ليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل و القمر لأن عظم الرزية قد سلبها ضوءها فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب الوجه الثاني أن يكون انتصابها على معنى قوله لا أكلمك الأبد و طول المسند (2) و ما جرى مجرى ذلك فكأنه أخبر بأن الشمس تبكيه ما طلعت النجوم و ما ظهر القمر. و الوجه الثالث أن يكون نجوم الليل و القمر باكيين الشمس على هذا المفقود فبكهن أي غلبتهن بالبكاء كما يقال باكاني عند الله فبكيته و كاثرني فكثرته أي فضلت عليه و غلبته و الوجه الثالث من التأويل أن يكون الله تعالى أراد بقوله فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ أهل السماء و أهل الأرض و حذف أهل كما قال عز و جل وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و كما قال حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها و إنما أراد أصحابها و يجري ذلك مجرى قولهم السخاء سخاء حاتم قال الشاعر
(1) هو جرير بن عطية الخطفي ينتهي نسبه إلى نزار مات باليمامة عن نيف و ثمانين سنة، سنة 121 ه و هو من أشهر الشعراء الإسلاميين و أرقهم ديباجة، هاجى شعراء عصره و بخاصّة الفرزدق، و كان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى، و الفرزدق بزهير، و الأخطل بالنابغة.