يبقى مجاورا للطبل على ما هو عليه هنيئة بعد الخلع سيما إذا تشاجرت
الأصوات والتف بعضها ببعض وتزاحمت إلى العصبة بتصادم وقوع
شديد فإن الأذن بعد سكون اللغط وهدوء الأصوات يدرك صورتها
في الصماخ إلى حين ما ، وهو مثال بقاء الأعراض في القبر إلى أن تأتي
عليه الأرض وتفككها، وقد يتفق مثل ذلك في الحس المشترك أيضا إن
كنت جربته، وقد يكون اللفظ الحامل للمثال المفروض مركبا من هواء
غليظ ويتلاقاه في الهواء الخارج مضافا إلى ذلك رياح شديدة وأصوات
مختلفة متشاجرة فتوجب فيه غلظة على غلظة حتى إذا وصل إلى الصماخ
لم يتأد منه إلى الحس المشترك شيء لاختلاطه بالعلائق والعوائق المانعة
للمعنى عن التجرد والتخلص ، ولذا تراه لا يفهم منه السامع شيئا
سوى قرع مختلط الطبل صماخه وهذا مثال أجزاء الأجساد التي تحتاج في
تخليصها من العوارض والعلائق والعوائق إلى الهدم والتكليس بتبعية
الأعراض حتى تخلص وتستأهل للصعود إلى عالمها الأول، فالمثال
الذهني المفروض أصله من عالم ذهنك الذي له بالنسبة إلى عالم الحس
الظاهر تجرد ما وإنما عرضه هيأة اللفظ المسموع المركب من أجزاء
الهواء الخارجي من مرتبة التنزل فإذا أخذ في العود إلى عالم تجرده من
سبيل قوس الصعود استغنى عن اللباس المذكور فخلعه وتركه في محله
الذي منه بدؤه، وأخذ في الصعود إلى عالم تجرده وإذا وصل إلى عالم
الحس المشترك ترك فيه لباسا آخر قد تلبس به أيضا في النزول وصعد
منه إلى عالم الخيال الذي منه بدؤه في النزول فيصدق عليه قوله تعالى
(١) الأنعام ٩٤ .