غايته أن تلك الآثار على قسمين قسم معتاد وهو الكمالات المبذولة
لجميع الخلق أو أكثرهم وقسم خارق للعادة كالصفات الكمالية التي
توجد في أشخاص مخصوصين كالأنبياء والأولياء بتأييد ولطف خاص
من الله سبحانه بحقيقة ما هم أهله وكلاهما من آثار صفات الله الخاصة
به لأن شأن الممكن المخلوق من حيث هو كذلك العجز لا القدرة،
والجهل لا العلم، والضعف لا القوة، والنقص لا الكمال، وبالجملة هو
من هذه الحيثية لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا نشورا فكلما
يوجد فيه من الكمال الصوري والمعنوي فهو من ظل الربوبية الحقة فإن
كان وجود كمال كما في المخلوق ينافي تفرده تعالى بالألوهية ففي هذا
وذاك إذ مجرد كون البعض مبذولا والبعض الآخر مخصوصا مما لا أثر
له في التخصيص وإلا فقد غلط المنكرون وضلوا ضلالا بعيدا فظهر
أن ميزان ما يجوز في المخلوقين وما لا يجوز هو الذي قررناه في العنوان
السابق ومن عدل عن ذلك فلا بد له في توجيه هذا الاعتراض الذي
ذكرناه من القول بالشرك أو التفويض أو الجبر لا محيص له عن إحدى
هذه الأمور بوجه فاختر لنفسك ما يحلو.
ثم إنه قد علم من هذه الأخبار أن ليس المراد بالتسليم والرد إليهم
التسليم لما يدركه عقلك فإن ما يدركه العقل يقبله وإن كان حديث كافر
أو دهري لأن الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها أخذها وإنما المراد
بالتسليم ما تقبله باعتقاد أنه ليس كل ما قالوه تدركه عقولنا الناقصة