لأنها لم تحط
بجميع العلوم فإن كنت من أهل هذا النوع من التسليم
فأنت من النجباء وإلا فاخرج منها فإنك رجيم.
إن قلت: قد ثبت وتقرر أن الاعتقادات أمور عقلية فإذا ورد شيء
ينكره العقل كيف يجوز التسليم به؟ .
قلنا : هذا هو الشبهة التي سولها اللعين في قلوب الجهلة المقلدين
المتعبدين بآراء المتفلسفة والمتكلمين فصدهم عن سبيل الاتباع لآثار
أئمة الدين.
(۱)
فنقول: يا أخي ليس حيث تذهب فإن الله زلب في عباده العقول
ليدركوا بها ما بينه بألسنة وسائطه وحججه من مراداته ظاهرا وباطنا
لأن الله عز وجل هو المكلف - بكسر اللام - فيجب أن يكون عليه البيان
ابتداء وفي الحديث ما معناه ( ليس للعباد أن يعلموا حتى يعلمهم الله)
وإن أبيت إلا الجمود على التقليد فاستمع لما يتلى عليك من البيان.
فنقول والله المستعان: لا يخلو أن للعالم صانعا أم لا فإن كان الثاني
وليس كذلك فالحق والباطل على شرع سواء وهو ظاهر وإن كان الأول
فنقول لا يخلو أنه أراد من عباده شيئا أم لا فإن كان الثاني فهو كالأول
في عدم الفرق بين الحق والباطل لأن المفروض أنهم مهملوا النواصي،
وإن كان الأول فنقول هل بين الصانع مطلوبه ذلك لعباده أم لا فإن كان
الثاني ولا كلام أيضا لأن التكليف بغير بيان لا معنى له وإن كان الأول
فقد ثبت ما نريد وهو حاجة العباد إلى بيان ما يريد الله منهم وإذ ثبت هذا
المقدار فنقول الناس في استقلال العقول على مذاهب ثلاث ظاهرا.
(۱) زلب الصبي بأمه زلبا : لزمها ولم يفارقها (لسان العرب ج ١ ص ٤٥٢).