نوع تكاليف الإنسان حتى يقال إنها فاقدة لإدراك الأمور الكلية ولا
أحد أن يقول إن الحيوان فاقد لقوة الفاكرة والحافظة والمتخيلة
يسع
والواهمة والحس المشترك فإن آثار تلك القوى محسوسة فيها لا ينكرها
إلا من اختلط عقله وأما الجماد والنبات فنقول غاية ما يمكن لك أن
تقول فيها هو أنك لا تحس لها شعورا وإحساسك ليس بشرط في وجود
جميع الأشياء إذ كم من أمور خفية أنت لا تدركها بحسك ومع ذلك
تصرفها فإنك لا ترى السماوات والجن ولا الملائكة ولا الحيوانات
الصغار المنبثة في الجو ولا غير ذلك من كثير من الأمور الجسمانية التي
سبيلها الحس مع أن الشعور والإدراك ليس من الأمور المحسوسة ولا
يشترط في إدراك كل شيء الحركة الحيوانية أو الأذن والعين والأنف
وأشباه تلك من الجوارح حتى إذا لم نجدها في شيء نحكم بفقدانه
للشعور والإدراك ومع ذلك لم يقم دليل يدل على امتناع وجود الشعور
فيها حتى نحكم بمقتضاه ، فدعوى أن الأدلة العقلية قامت على فقدان
تلك الأجناس للشعور الذي هو مناط التكليف كما زعم هذا الفاضل
خراف محض فإنا لم نجد إلى الآن منها عينا ولا أثرا ومن يدعي وجود
ذلك فليأتنا بواحد منها حتى ننظر فيه على أن الدليل المدعى إن كان من
الضروريات العقلية فهو مفقود قطعا لأن سبيل الضروري أن تكون
جميع العقول متفقة عليه كقبح الظلم وحسن الإحسان فحينئذ يجب أن
لا يخفى على أحد ولا يختلف فيه اثنان وأنى للمدعي بذلك.