هذا ومن البين أن المجاورة والمصاحبة والممازجة بين شيئين مما
يوجب التأثير والتأثر من طبع كل منهما في الآخر بشرط وجود
الاستعداد لذلك في طبع المنفعل، فبمقدار استعداده ينفعل من طبع ما
يجاوره ويمازجه ومثاله الماء المنفعل من الأرابيح الطيبة والخبيثة ونظائر
ذلك ولما كانت طينة الأنبياء والأوصياء والممتحنين من المؤمنين في كمال
قوة الإجابة الموجبة لانضعاف جهة ظلمة الإنية فيهم بحيث لا تقتضي
العصيان لا بنفسها ولا بمعونة مجاورة الغير لها لم يؤثر فيها هذا الخلط
والممازجة فبقيت على الصرافة الأصلية، وكذا طينة رؤساء الكفار
والمنافقين في جانب العكس. وأما سائر الخلق من الفريقين فحيث إن
طينتهم ضعيفة الإجابة وذلك موجب لا محالة لبقاء شيء من أحكام
ظلمة الإنية في المؤمنين ونور الوجود في المنكرين وهو يوجب استعداد
الانفعال من لطخ طينة المجاور فلا جرم تأثرت تلك الطين - بكسر
الطاء وفتح الياء - بعضها من طبع بعض عند النزول والامتزاج في
الخزائن العلوية والسفلية فصار المؤمن الضعيف في دار الدنيا مصدر
القبائح والشرور والكافر مصدرا للحسنات والخيرات، مع أن طينة
المؤمن نورانية لا تقتضي بالذات الشرور وطينة الكافر ظلمانية لا تقتضي
بالذات الخيرات، فالمؤمن من حيث هو لو خلي وطبعة لم يفعل إلا الخير
وإن كان قادرا على الشر كونا، والكافر من حيث هو لو خلي وطبعه
لم يفعل إلا الشر وإن كان قادرا على الخير كونا، لكن المجاورة أثرت في
(۱) سورة يونس ۳۱