أمكنة غير محصورة ، كما أفطر أمير المؤمنين في ليلة واحدة في أربعين
مكانا ، ومع ذلك كان عند الله تعالى في العرش هذا ، ولهم نحو آخر من
الحضور أشرنا إليه في ذيل الحديث الرابع والتسعين من الجزء الأول،
وهو غير هذين النحوين من أراده فليرجع إلى ما هنالك.
وأما سائر المؤمنين فلهم أيضا أن يظهروا بصورة متعددة إذا
أخلصوا في اتباعهم الله وتشبهوا بهم في الأعمال والأخلاق ؛ لأن أصل
أجسامهم أيضا نظيفة روحانية مأخوذة من تراب الجنة ، وإنما عرضتهم
عوارض هذا العالم بالعرض ، وعاقتهم عن ظهور آثار الربوبية منهم،
فإذا اخلصوا الله العبودية باقتداء أوليائه علما وعملا ظهرت جوهرة
الربوبية من كنه العبودية، وخلعوا أعنة الأضداد ، وملكوا أزمة الحدود
والقيود ، فلا يشغلهم شأن عن شأن ، ولا مكان عن مكان فيظهرون
في أي مكان شاؤوا بأي صورة شاؤوا ، غير أن هذا يحصل في الدنيا
لقليل من المؤمنين وهم الخصيصون ، وإلى هذا المقام أومأ أمير المؤمنين
بقوله : (خلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم، فقد شابهت
جواهر أوائل عللها ، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك
بها السبع الشداد)".
فتدبر في مطاويه تظهر لك أسرار خفية ، روي بعض المشايخ عن
زاذان خادم سلمان قال : ( لما جاء أمير المؤمنين ليغسل سلمان وجده
قد مات، فرفع الشملة عن وجهه فتبسم وهم أن يقعد ، فقال له أمير
(1) المناقب ج ٢ ص ٤٩ ، بحار الأنوار ج ٤٠ ص ١٦٥ ، الصراط المستقيم ج ۱ ص ۲۲۲.