وهو تأويل قوله تعالى ولكنه أخلد إلى الأرض " وقوله اثاقلتم
إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا " الآية، فمن أدبر عن هذه الجهة
الدنية وخرج عن ربقة طاعة الإنية وأقبل إلى المبدأ الحق وانقطع إلى
ذلك الكمال المطلق وراض نفسه بالأمور الحقة الإلهية من العقائد الحقة
والأخلاق المرضية والأعمال الحسنة الشرعية التي هي طريق العبد إلى
ذلك الباب وجناحه الجاذب له إلى ذلك الجناب ومصقله المصفي لمرآة
وجوده عن كدورات الطبيعة الخسيسة وماؤه المنزل من السماء لتطهير
روحه وجسمه عن أرجاس الماهية الخبيثة شابه مبدأ الحق وحكى مثاله
وأصطبغ بصبغ صفاته وفعل أفعاله كما قال أمير المؤمنين في وصف
الملأ الأعلى ( صور عارية عن المواد عالية عن القوة والاستعداد تجلى لها
(۳)
فأشرقت وطالعها فتلألأت وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله ) .
رواه ابن شهر آشوب في المناقب وغيره في غيره، وقد علمت فيما سبق
أن المبدأ الحق قوة لا ضعف فيه وقدرة لا عجز فيه وعلم لا جهل فيه
وهكذا، فالعبد إذا بلغ هذا المقام ظهر منه على حسب مرتبته من الوجود
ومقدار صفاء مرآته من آثار تلك الكمالات الحقة بعناية خاصة من الله
عز وجل فتمايز بها عن أبناء نوعه، وصدر منه أمور خارقة لعادتهم
المتعارفة، هذا في سائر الخلق، وأما المعصومون فهذا المقام حاصل
لهم من ابتداء خلقهم بحقيقة ما هم أهله لكمال استعداد قابليتهم بحيث
(١) الأعراف ١٧٦ .
(۲) التوبة ٣٨ .
(٣) المناقب ج ٢ ص ٤٩ .