حذا حذوه من المنتحلين للفلسفة، وإن اتفقت لهؤلاء موافقة في بعض
المسائل لما ثبت من الشريعة الحقة، فليس لأنهم متعبدون بما أخبر به
صاحب الوحي عن الله تعالى و إنما هو من جهة أنه أداهم إليه أدلتهم
العقلية، فهؤلاء أيضا ليسوا من اختلاف التشيع والتسنن في مغدى
ولا مراح وإنما هم طائفة خارجة عن كلام المذهبيين، وإن تكلموا في
تحقيق هذا الاختلاف على سبيل الفرض والتقدير فلا ريب أن أصولهم
الحكمية تقتضي أولوية أمير المؤمنين الله بالخلافة الإلهية من الثلاثة
الباقية، وإن خالف بعض منهم في ذلك فهو معطوف على سائر ما يقع
لهم من الخبط في المسائل الحكمية .
وأما القسم الآخر فهم الذين يراعون في الأصول الحكمية مطابقة
الأصول الشرعية على حسب ما هي عندهم، بمعنى أنهم متعبدون
بمذهب الإسلام فإذا خالف شيء من قواعدهم شيئا من الأصول
الإسلامية يلزمهم أن يتركوا تلك القاعدة إلى ما ثبت عندهم من
تلك الأصول، وإنما عبرت بقولي ( يلزمهم ) لأن من هؤلاء أيضا
من لم يعمل بذلك بل أوّل الأصول الإسلامية بما يوافق ما عنده من
تلك القواعد التي خرّجها بعقله الناقص وإن ادعى باللسان خلاف
ذلك، وكيف كان فهؤلاء أيضا باعتبار اختلاف مسلكهم في نوع الأدلة
و البراهين ينقسمون إلى قسمين : حكيم ومتكلم، فالحكيم من يكتفي
بالبراهين العقلية المحضة، والمتكلم ربما يستدل بالمشهودات والمسلمات
المستندة إلى النقل، والشائع بين العامة من هذين القسمين هذا الأخير