وبررة أتقياء قد عرجوا معارج العلوم الحقيقية وصعدوا مدارج الأصول
الشرعية، فشيدوا مبانيها بأفكارهم العميقة وحرروا معانيها بأنظارهم
الدقيقة حتى نفوا عن دين سيد المرسلين تحريف الغالين وانتحال
المبطلين، ولم يقفوا بما قنع به أولئك من العكوف على التماثيل الاسمية
والتلاعب بالنقوش الرسمية، والتقرب عند الأمراء والسلاطين بذكر
المطل والأشعار الباطلة وتكسب الجوائز منهم بوسائل أمثال وقصص
عاطلة، مع أن هذه الفرقة عند أهل التمييز بطلة العالم وآكلة فضالات بني
آدم، ولو أن الشيعة اعتنت بظبط أحوال أمثال هؤلاء لضاقت عن ذكرهم
دفاتر الإنشاء، ولكنهم لم يكترثوا بحال هؤلاء ولا حسبوهم في عداد
العلماء، كما حسبتهم أضدادهم من باب قول المتنبي في هجو بني عمار :
ما كنت أحسب أن الدخن فاكهة
حتى نزلت بوادي آل عمار
هذا كله جريا على طريق البحث معهم وإلا فليس ميزان الحق
والباطل عند أهل التحقيق كثرة التابع وقلته، بل الأمر على العكس
بمعنى أن الاهتداء إلى الحق هو الميزان في معرفة منازل الرجال قال أمير
(۱)
المؤمنين ( الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله) وفي
حديث آخر (لا تنظر إلى من قال و انظر إلى ما قال فالرجل حق
الرجل من يعرف الرجال بالمقال لا المقال بالرجال .
(۱) روضة الواعظين ج ١ ص ٣١.
(٢) بحار الأنوار ج ٤٠ ص ١٢٥ ، إرشاد القلوب ج ۲ ص ٢٩٦، غرر الحكم ٤٣٨