تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 144 من 405
صفحة
[صفحة 124]
أو الصفة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو المجموع و أما النطق فإنه واف بتعرف كل واحدة من هذه الأحوال بعينها.
و القسم الثالث الكتابة و ظاهر أن المئونة في إدخالها في الوجود صعبة و مع ذلك فإنها مفرعة على النطق و ذلك لأنا لو افتقرنا إلى أن نضع لتعريف كل معنى من المعاني البسيطة و المركبة نقشا لافتقرنا إلى حفظ نقوش غير متناهية و ذلك غير ممكن فدبروا فيه طريقا لطيفا و هو أنهم وضعوا بإزاء كل واحد من الحروف النطقية البسيطة نقشا خاصا ثم جعلوا النقوش المركبة في مقابلة الحروف المركبة فسهلت المئونة في الكتابة بهذا الطريق إلا أن على هذا التقدير صارت الكتابة مفرعة على النطق إلا أنه حصل في الكتابة منفعة عظيمة و هي أن عقل الإنسان الواحد لا يفي باستنباط العلوم الكثيرة فالإنسان الواحد إذا استنبط مقدارا من العلم و أثبته في الكتاب بواسطة الكتابة فإذا جاء بعده إنسان آخر و وقف عليه قدر على استنباط أشياء أخر زائدة على ذلك الأول فظهر أن العلوم إنما كثرت بإعانة الكتابة
البحث الثاني مما يتعلق بهذا الباب أن المشهور أنه يقال في حد الإنسان إنه حيوان ناطق فقال بعضهم إن هذا التعريف باطل طردا و عكسا أما الطرد فلأن بعض الحيوانات قد تنطق و أما العكس فهو بعض الناس لا ينطق فأجيب عنه بأن المراد منه النطق العقلي و لم يذكروا لهذا النطق العقلي تفسيرا ملخصا فنقول الحيوان نوعان منه ما إذا عرف شيئا فإنه لا يقدر على أن يعرف غيره حال نفسه مثل البهائم و غيرها فإنها إذا وجدت من نفسها أحوالا مخصوصة لا تقدر على أن تعرف غيرها تلك الأحوال و أما الإنسان فإذا وجد من نفسه حالة مخصوصة قدر على أن يعرف غيره تلك الحالة الموجودة في نفسه فالناطق الذي جعل فصلا مقوما هو هذا المعنى و السبب فيه أن أكمل طرق التعريف هو النطق فعبر عن هذه القدرة بأكمل الطرق الدالة عليها و بهذا التقرير فإن تلك السؤال لا يتوجه و الله أعلم بالصواب.