بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع 4 · صفحة 111 من 439

صفحة
[صفحة 93]

الأنعام‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ‏ الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏


____________


و المصالح، و من هذا القبيل ايجاد الحوادث اليومية، و يقرب منه قول ابن أثير في حديث الاقرع و الابرص و الاعمى: بدا للّه عزّ و جلّ أن يبتليهم، أي قضى بذلك، و هو معنى البداء هاهنا، لان القضاء سابق و البداء استصواب شي‏ء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على اللّه عزّ و جلّ محال غير جائز. انتهى. و لعله أراد بالقضاء الحكم بالوجود، و أراد بكونه سابقا أن العلم به سابق كما يرشد إليه ظاهر التعليل المذكور بعده.


و منها ترجيح أحد المتقابلين و الحكم بوجوده بعد تعلق الإرادة بهما تعلقا غير حتمى، لرجحان مصلحته و شروطه على مصلحة الآخر و شروطه، و من هذا القبيل اجابة الداعي، و تحقيق مطالبه، و تطويل العمر بصلة الرحم، و إرادة ابقاء قوم بعد إرادة اهلاكهم.


و منها: محو ما ثبت وجوده في وقت محدود بشروط معلومة و مصلحة مخصوصة، و قطع استمراره بعد انقضاء ذلك الوقت و الشروط و المصالح، سواء اثبت بدله لتحقّق الشروط و المصالح في إثباته أولا، و من هذا القبيل الاحياء و الاماتة و القبض و البسط في الامر التكوينى، و نسخ الاحكام بلا بدل أو معه في الامر التكليفى. و النسخ أيضا داخل في البداء كما صرّح به الصدوق في كتابى التوحيد و الاعتقادات. و من أصحابنا من خص البداء بالامر التكوينى و أخرج النسخ عنه، و ليس لهذا التخصيص وجه يعتد به، و إنّما سميت هذه المعاني بداء لأنّها مستلزمة لظهور شي‏ء على الخلق بعد ما كان مخفيا عنهم، و من ثمّ عرف البداء بعض القوم بأنّه أثر لم يعلم أحد من خلقه قبل صدوره عنه أنّه يصدر عنه.


و اليهود أنكروا البداء و قالوا: يد اللّه مغلولة- غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا- و هم يعنون بذلك أنّه تعالى فرغ من الامر فليس يحدث شيئا، و نقل عنهم أيضا أنّه تعالى لا يقضى يوم السبت شيئا، و يقرب منه قول النظام من المعتزلة: إن اللّه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هى عليه الآن: معادن و نباتات، و حيوانات و إنسانا، و لم يتقدم خلق آدم (عليه السلام) على خلق أولاده و التقدّم و التاخر إنّما يقع في ظهورها من مكانها دون حدوثها و وجودها، و كأنّه أخذ ذلك من الكمون و الظهور من مذهب الفلاسفة، و نقل صاحب الكشّاف عن الحسين بن الفضل ما يعود إلى هذا المذهب، و هو أن عبد اللّه بن طاهر دعا الحسين بن الفضل و ذكر أن من آيات اشكلت عليه قوله عز من قائل: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» و قد صح «أن القلم جف بما هو كان إلى يوم القيامة» قال الحسين:


أما قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فانها شئون بيديها لا شئون يبتديها. و هذه المذاهب عندنا باطلة لانه تعالى يحدث بعد ما يشاء في أي وقت يشاء على وفق الحكمة و المصلحة، كما دلت عليه روايات هذا الباب، و دلت عليه أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحمد للّه الذي لا يموت و لا ينقضى عجائبه، لانه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن» فانه صريح في أنّه تعالى يحدث في كل وقت ما أراد إحداثه من الاشخاص و الأحوال، و لعلّ الحسين كالسائل فهم أن ابتداءها و احداثها ينافى ما صح من جفاف القلم، و أنت تعلم أنّه لا منافاة بينهما، لان جفاف القلم دل على أن كل ما هو كائن.

التالي ص 111/439 — الأصلية 93 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...