تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوارالجزء السادس6 · صفحة 212 من 341
»»
[صفحة 212]
على الإحياء في الدنيا و الحشر فقد رد بأن الإماتة إنما تكون بعد سابقة الحياة و لا حياة في أطوار النطفة و بأنه قول شذاذ من المفسرين و المعتمد هو قول الأكثرين انتهى كلامه.
فقد جعل التفسير بالوجه الأول مستفيضا و بالوجه الثاني شاذّا و يخطر بالبال أن الأمر بالعكس فإن الشائع المستفيض بين المفسرين هو ما جعله شاذّا و الشاذّ النادر هو ما جعله مستفيضا و لعل هذا من سهو قلمه فإن التفاسير المشهورة التي عليها المدار في هذه الأعصار هي الكشاف و مفاتح الغيب و معالم التنزيل و مجمع البيان و جوامع الجامع و تفسير النيشابوري و تفسير البيضاوي و لم يختر أحد من هؤلاء تفسير الآية بالوجه الأول بل أكثرهم إنما اختاروا التفسير الثاني.
و أما التفسير الأول فبعضهم نقله ثم زيّفه و بعضهم اقتصر على مجرد نقله من غير ترجيح فلو كان هو الشائع المستفيض كما زعمه السيد المحقق لما كان الحال على هذا المنوال قال في الكشاف أراد بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا و إماتتهم عند انقضاء آجالهم و بالإحياءين الإحياء الأولى و إحياء البعث. ثم قال بعد ذلك فإن قلت كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة قلت كما صح أن تقول سبحان من صغّر جسم البعوضة و كبّر جسم الفيل و قولك للحفّار ضيّق فم الركية و وسّع أسفلها و ليس ثم نقل من كبر إلى صغر و لا من صغر إلى كبر و لا من ضيق إلى سعة و لا من سعة إلى ضيق و إنما أردت الإنشاء على تلك الصفات و السبب في صحته أن الصغر و الكبر جائزان معا على المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما و كذلك الضيق و السعة فإذا اختار الصانع أحد الجائزين و هو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر فجعل صرفه عنه كنقله منه و من جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا و التي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات و هو خلاف ما في القرآن إلا أن يتمحّل فيجعل إحداها غير معتدّ بها أو يزعم أن الله يحييهم في القبور و تستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها و