تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع 7 · صفحة 34 من 537
صفحة
خلق الإنسان و لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً كذلك يعيده و إن لم يكن شيئا مذكورا. و ثانيهما أن من تفرق أجزاؤه في مشارق الأرض و مغاربها و صار بعضه في أبدان السباع و بعضه في جدران الرباع كيف يجمع و أبعد من هذا هو أن إنسانا إذا أكل إنسانا و صار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأكول إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء يخلق منها أعضاء و إما أن يعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ و وجهه أن في الآكل أجزاء أصلية و أجزاء فضلية و في المأكول كذلك فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل و الأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصيلة للآكل و ينفخ فيها روحه و يجمع الأجزاء الأصلية للمأكول و
[صفحة 24]
ينفخ فيها روحه و كذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع المتبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة و قدرته الكاملة ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم و إبطال إنكارهم و عنادهم فقال الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً و وجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به و حياة سارية فيه و هو الحرارة جارية فيه فإن استبعدتم وجود حرارة و حياة فيه فلا تستبعدوه فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب و أغرب و أنتم تحضرون حيث منه توقدون و إن استبعدتم خلق جسمه فخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فإن الله خلق السماوات و الأرض فبان لطف قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ و قوله أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ و قد ذكر النار في الشجر على ذكر الخلق الأكبر لأن استبعادهم كان بالصريح واقعا على الإحياء حيث قالوا مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ و لم يقولوا من يجمعها و يؤلفها و النار في الشجر مناسب الحياة و قوله الْخَلَّاقُ إشارة إلى أنه في القدرة كامل و قوله الْعَلِيمُ إشارة إلى أنه بعلمه شامل ثم أكد بيانه بقوله إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ هذا إظهار فساد تمثيلهم و تشبيههم و ضرب مثلهم حيث ضربوا لله مثلا و قالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياسا للغائب على الشاهد فقال في الشاهد الخلق يكون بالآلات البدنية و الانتقالات المكانية فلا تقع إلا في الأزمنة الممتدة و الله يخلق بكن فيكون انتهى.