تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثالث عشر13 · صفحة 254 من 728
صفحة
[صفحة 2] (تذنيب) قال السيد المرتضى (قدس سره) فإن قيل كيف جاز لموسى أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال و العصي و ذلك كفر و سحر و تلبيس و تمويه و الأمر بمثله لا يحسن قلنا لا بد من أن يكون في أمره (عليه السلام) بذلك شرط فكأنه قال ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين و كان فيما تفعلونه حجة و حذف الشرط لدلالة الكلام عليه و اقتضاء الحال له و يمكن أن يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الإلقاء على وجه يساويه فيه و لا يخيلون فيما ألقوه السعي و التصرف من غير أن يكون له حقيقة لأن ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل و إذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به ليظهر حجته. (2)
أقول يمكن أن يقال الأمر بالسحر إذا كان مشتملا على بيان بطلانه و ظهور المعجزة و عدم مبالاته بما صنعوا مع أن القوم لا ينتهون عنه بعدم أمره بل بنهيه أيضا ليس بقبيح (3) فيمكن أن يكون مخصصا لعمومات النهي عن الأمر بالسحر إن كانت و لو كان لمحض دليل العقل فلا يحكم في خصوص تلك الصورة بشيء من القبح أو يقال إنه لم يكن المراد به الأمر حقيقة بل كان الغرض عدم خوفه و مبالاته بما سحروا به فيمكن إرجاعه إلى أمر التسوية و قيل إنه لم يأمر بالسحر بل بالإلقاء و هو أعم منه.
ثم قال السيد فإن قيل فمن أي شيء خاف موسى (عليه السلام) أ و ليس خوفه يقتضي شكه في صحة ما أتى به قلنا إنما رأى من قوة التلبيس و التخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم ينعم النظر (4) فآمنه الله تعالى من ذلك و بين له أن حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (5).
____________
(1) العرائس: 123- 126. و فيه: غانمين شاكرين. م.
(2) تنزيه الأنبياء: 70- 71. م.
(3) بل ربما يمكن أن يقال بحسن ذلك، إذ فيه إبطال الباطل و إرشاد الجاهل إلى بطلان عملهم و أن عمله ليس من سنخ عملهم و سحرهم، بل هو من عند اللّه، و عمله من صنع اللّه.